قانون العرب قانون العرب
.
random

آخر المواضيع

random
جاري التحميل ...

قراءة حديثة في القانون الدولي



بقلم أ.د. حكمت شبر. بغداد. 

 القانون الدولي
 القانون الدولي

مضت فترة طويلة على إصداري الطبعة الأولى من كتابي القانون الدولي العام ، دراسة مقارنة في الفقهين الاشتراكي والرأسمالي . ولعلها كانت المحاولة الأولى في هذا النهج الجديد في دراسة القانون الدولي ، فقد كان كتاب وفقهاء القانون الدولي ينتمون إلى جهة واحدة – الدول الرأسمالية التي أنتجت فقهاً أحادياً يعلّي ويزكي سلوك الدول الرأسمالية والاستعمارية في نهجها وتعاملها مع دول العالم وبشكل خاص مع الدول الحديثة الاستقلال ومنها دولنا العربية . فنجد مثلاً أن فقهاء كبار أنجليز وفرنسيين وأمريكان يسيرون خلف حلف الأطلسي مصورين أياه بالمنظمة الإقليمية التي تعمل بشكل سلمي لحل المشاكل بين الدول ، كما تقضي بذلك قواعد المنظمات الإقليمية (1) .

لكن حقيقة الأمر أن هذا الحلف هو حلف وُلد ليقضي على ما جاء في ميثاق الأمم المتحدة من مبادئ وقواعد إنسانية تقضي بمساواة الدول ، وتقرير المصير ، وحل المشاكل بالطرق السلمية كما أنه مُنح (أعني هذا الحلف صلاحيات) التدخل والردع – بدون الرجوع إلى الأمم المتحدة . (سأعود للحديث بالتفصيل عن هذا الحلف في سياق البحث ) .

هناك أمثلة كثيرة في التعامل الدولي نجد لها تنظير وتقديم غير موضوعي لتبرير سلوك الدول العدوانية والاستعمارية في العلاقات الدولية .
                                          
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
11 – يرى العديد من الفقهاء أن حلف شمال الأطلسي يعتبر بمثابة منظمة إقليمية كما يرى الأستاذ بويت ، حيث يقول ( أن الدول الغربية وقعت على معاهدة حلف شمال الأطلسي في الرابع من نيسان 1949 بغية أنشاء منظمة أقليمية قادرة عن الدفاع عن اوربا الغربية وامريكا الشمالية .

أنظر بويت – قانون التنظيمات الدولية . لندن 1964 ص 152 ( لغة أنكليزية)
ويرى فقيه آخر روبرتستون : بأن أنشاء حلف الأطلسي ما هو إلا (محاولة لردم الثغرة وتقديم نظام جديد لتعزيز السلم والأمن الدولي ، وذلك عندما يعجز مجلس الأمن الدولي عن القيام بمهامه نتيجة عدم أتفاق الأعضاء الدائميين فيه ) .
أنظر أ م روبرتسون . المؤسسات الأوربية طبعة ثانية ، لندن 1966 ص 89 ( لغة أنكليزية)
ويرى كاتب آخر (مكاو) أن حلف شمال الأطلسي يعتبر ركيزة أساسية للأمم المتحدة في نشاطها .
أنظر بالتفصيل ، كتابنا المعاهدات غير المشروعة في القانون الدولي ص 33 النجف 2009

وجدت من أفضل ما أقوم به أن أبحث في مجال المقارنة بين الفقهين الأشتراكي والرأسمالي في موضوع العلاقات الدولية والقانون الدولي العام ، لأنارة الطريق أمام الدارسين في هذا المجال وترك الأمر لهم في أختيار المنهج الذي يفضلونه وساعدني في هذا المجال ، معرفتي للغتين الروسية والأنكليزية للقيام ببحث المقارنة بين الفقهين الأشتراكي والرأسمالي وهي المحاولة الأولى في هذا المجال ، فقد كانت الدراسات السابقة لا تتعدى الحديث عن الفقه الغربي الرأسمالي ونشاط المعسكر الرأسمالي في العلاقات الدولية .


لم أكن أتصور وأتوقع أن أجابه بمعارضة وعداء من قبل الأساتذة البعثيين وأنصار السلطة في وقوفهم بعنف ضد هذه المحاولة العلمية الأولى، التي يقوم بها واحد من أبناء الوطن العراقي ولعل أحد الأسباب قد يكون عدم اعتمادي على ما يسمى: (التجربة العربية الاشتراكية) كما يراها حزب البعث في هذه الدراسة . ولكن لم أجد في كتب القانون الدولي أو السياسة الدولية ما يبرر هذا النهج . فقد كانت كتاباتهم مكرّسة للأمور السياسية لتعزيز حكم البعث في العراق وسوريا.

وقد جوبهت بعداء غريب من الطلبة البعثيين في الجامعة المستنصرية ، وكانوا من كبار مسؤولي الدولة ، حيث كانت تقاريرهم تطلب من المسؤولين أبعادي عن التدريس مخافة التأثير على الطلبة وحرفهم عن النهج القومي الاشتراكي الذي يتبناه حزب البعث(1)
والآن أعود للحديث عن القانون الدولي وما حصل في مجرى هذا التأريخ من سلبيات وإيجابيات في العلاقات بين الدول.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
11 – كان البعثيون يحرفّون هوامشي عندما أذكر كلمة (نَص روسي) فصاروا يسموني (نُص روسي) على أعتباري من مؤيدي الاتحاد السوفيتي.

لابد لي قبل كل شئ أن أذكر حقيقة مهمة ، قد لا يفكر فيها العاملون في مجال القانون والمهتمون بالقانون الدولي ، القانون الدولي يختلف كلياً عن بقية القوانين الوطنية ، ففي كل دولة هناك جهاز تشريعي يقوم بسن القوانين المدنية المختلفة من جنائية ، تجارية، مدنية، الخ من القوانين ويوجد دائماً جزاء وسلطة تنفيذية تحرص على تطبيق القوانين، وفي حالة الخروج على قواعد القانون، يتلقى الخارجون على هذه القواعد ما يستحقون من الجزاءات المناسبة، سجن، غرامات، أيقاف التعاقدات.. الخ من الجزاءات، لكن القانون الدولي لا يوجد من يقوم بتشريع قواعده وليس هناك سلطة متخصصة بذلك. بل الدول هي التي تضع قواعده، عن طريق الاتفاقيات الدولية، وما يترتب خلال التعامل فيما بينها من أعراف دولية. فالدول هي صاحبة الأختصاص بوضع أحكام هذا القانون .


والقانون الدولي يعبّر بشكل واضح وصريح عن مصالح الدول. والتي نراها بكل وضوح في التعاملات وكيف تتقاطع في البداية، كما رأيناها في قواعد القانون البحري الذي أستمرت مفاوضاته أكثر من عشرين عاماً حتى تم الاتفاق بين الدول المتناحرة في مصالحها البحرية، من حيث الثروات المختلفة الموجودة في أعماق البحار. وأستمرت التناقضات والتقاطعات حتى توصل الجميع إلى نقطة التفاهم والحلول الوسط التي ترضي جميع الدول بمختلف نظمها السياسية المتعارضة . وهكذا نجد ان قواعد هذا القانون تخرج للوجود عن طريق هذا النهج الصعب والطويل ،خلافاً لقواعد القانون الداخلي التي يضعها المشرّع متى ما وجد هناك مصلحة وطنية تقضي بذلك.

والأهم في هذا المجال، أي خلق قواعد القانون الدولي أنه لا يملك من الجزاءات ما تضمن تطبيقه ، وفي حالة الخروج عليه يعاقب المتجاوز على قواعده . فلم يملك لحد الأن سلطة تنفيذية تملك الجزاء لتقوم بتطبيق أحكام القانون الدولي العام.

حدث في نطاق تطور قواعد هذا القانون أنعطافة مهمة جداً، تمثلت في تكوين الأمم المتحدة عام 1945 حيث مُنحت هذه المنظمة قواعد ومبادئ مهمة تقضي بتطبيق أحكام القانون الدولي والأتفاقيات الدولية، بل حتى في حالة الخروج على سلامة الدول وتهديد السلم الدولي ، هناك قواعد تضمنها الميثاق في الفصل السابع، تفرض على الجميع الأنصياع لقواعد هذا القانون، وإلا تتخذ أجراءات صارمة بحق المعتدي، والمتجاوز على سلامة وسيادة الدول. حيث يستطيع مجلس الأمن وفق المادتين (41, و42) أن يتخذ من العقوبات المختلفة ومنها العسكرية لأيقاف الخروج على قواعد القانون الدولي وأحترام سيادة وأستقلال الدول جميعاً.

كانت الأمم المتحدة خطوة متطورة جداً في مجال العلاقات الدولية وتطور قواعد القانون الدولي، حيث أصبحت مرجعاً مهماً لحل المشاكل بين دول العالم بالطرق السلمية دائماً ، بعد ما كانت الدول قبل الحرب العالمية الثانية ونشوء منظمة الأمم المتحدة تلجأ إلى الحروب لحل مشاكلها.

لكن هذه المنظمة التي جاء في ديباجتها ان شعوب الأمم المتحدة، التي عانت خلال جيل واحد من الألآم والتضحيات ما يعجز المرء في وصفه وتقديره ، أتت لكي تجنب البشرية ويلات الحروب المدمرة. لكن ما حصل مباشرة بعد توقف الحروب، أن برزت للوجود حروب جديدة تمثلت بالحرب الباردة بين النظامين المتعادين (الاشتراكي والرأسمالي). وسرعان ما لجأت الدول الغربية الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة إلى الخروج على قواعد ومبادئ الأمم المتحدة، التي تقضي بالتعاون والتفاهم لحل المشاكل بدون التهديد باستخدام السلاح، وخصوصاً النووي الذي يهدد ليس الدول المتصارعة فحسب، بل الحضارة الإنسانية برمتها.

قامت الدول الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة بأنشاء حلف الناتو الموجه عملياً وعسكرياً ضد الأتحاد السوفيتي وشريكاته الدول الأشتراكية. حيث أستطاع هذا الحلف السطو على أختصاصات الأمم المتحدة في حفض السلم والأمن الدولي ، وحل كافة المشاكل عن طريق لجان وهيئات الأمم المتحدة (1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – نشأ حلف الأطلسي وفقاً لمعاهدة الرابع من نيسان 19499م، والتي وقعتها كل من : الولايات المتحدة، أنكلترا ، فرنسة ، كندا ، أيطاليا ، بلجيكا ، هولندا ، لوكسمبرغ ، ايسلندا ، النرويج ، البرتغال، وفي (22) نيسان, أنظمت إلى الحلف تركيا ، واليونان ، وتم التوقيع على بروتوكول دخول ألمانيا الأتحادية الحلف المذكور في باريس في 22 تشرين الأول 1954 . وأصبح البروتوكول نافذ المفعول في (5) مايس/ 1955 .

أنظر حول حلف شمال الأطلسي . ليدر ، حلف شمال الأطلسي ، دراسة في تأريخه ومبادئه 1966 لغة روسية .
ساباكين . الأمن الجماعي ضمان للتعايش السلمي . موسكو 1962 ص 491 . لغة روسية 
مالوشا . حلف شمال الأطلسي 1960 . لغة روسية 
قامت الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع حليفاتها من الدول الغربية بأنشاء سلسلة من الأحلاف العسكرية (حلف شرق آسيا ، حلف المعاهدة المركزية وحلف المحيط الهادي) , وتهدف هذه الأحلاف إلى 
يتبـــــــــــــــــــــــــــــع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قمع حركات التحرير الوطنية في العالم ، وتهديد سلامة وأستقلال الدول الأخرى التي لا تنسجم وسياسة الولايات المتحدة .
نشا حلف شرقي آسيا وفقاً لمعاهدة الدفاع عن جنوب شرقي آسيا في 8 أيلول 19544 ، والبروتوكول الملحق بها . وتم تنفيذ المعاهدة والبروتوكول في 19 شباط 1955 . ويتكون الحلف من الولايات المتحدة الأمريكية ، أنكلترا ، فرنسة ، أستراليا ، نيوزيلندة ، باكستان ، تايلند والفلبين . وقد تقرر حلّ حلف جنوب شرق آسيا عام 1975 نظراً لأنتفاء الحاجة له .

أنظر : حول الحلف المذكور . كاراندجيا، حلف جنوب شرقي آسيا ، هل هو منظمة أمن أم تهديد للأمن ؟ موسكو 1957 لغة روسية .
مزرلاكوف ، حلف جنوب شرقي آسيا . موسكو 1959 . لغة روسية 

نستروف ، الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شرقي آسيا ، موسكو 1961 لغة روسية 

حلف المعاهدة المركزية ، نشأ هذا الحلف في البداية وفقاً لمعاهدة التعاون المتبادل بين العراق وتركيا في 24 شباط 1955 ، حيث أطلق عليه أسم ( حلف بغداد) وقد أنظمت كل من أنكلترا ، باكستان وأيران إلى الحلف المذكور وتشترك الولايات المتحدة فيه بصفة مراقب إلا أنها تقوم بالدور الفعال في قيادة مؤسساته السياسية والعسكرية . وبعد خروج العراق منه أعيد تنظيمه وأصبح يدعى بـ (حلف المعاهدة المركزية).

حلف المحيط الهادي ، تم تكوين هذا الحلف بموجب معاهدة الأول من أيلول 1951 في (سان فرنسيسكو) بين الولايات المتحدة ، نيوزيلندة ، أستراليا ، وتم تنفيذه في 24 آب 1952 .
أنظر بالتفصيل : توكانوفا ، سياسة الولايات المتحدة وأنكلترا في الشرق الأدنى والأوسط ، موسكو 1960 ، لغة روسية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أن أهداف ووظائف ونشاط حلف الأطلسي تتناقض وألتزامات دول الحلف بموجب ميثاق الأمم المتحدة . وعلى الأخص المواد 52- 54 كما انها لاتنسجم ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي المعاصر . تنص (م- 52) ف/1 على تشجيع أنشاء المنظمات الأقليمية والمعلوم أن معنى المنظمة الأقليمية من الناحية اللغوية ، التأريخية وكذلك الواقعية والعملية ، هي المنظمة التي تنشأ بموجب معاهدة تعقد بين دول متجاورة تأريخياً وتقوم روابطها على وحدة المصالح ووحدة الهدف والمصير المشترك ، كما نراه في منظمة الجامعة العربية ومنظمة الدول الأفريقية ، وأتحاد الدول الأوربية .

فلو أعتمدنا الأطلسي كمحيط جغرافي يجمع بين الدول الداخلة في الحلف ، فهل يا ترى يقتصر نشاط الحلف على تأمين هذه المنطقة الجغرافية فقط ؟ لا أعتقد أن ذلك يتسم بالأيجاب . فقد جاء في المادة (6) من معاهدة الحلف ، ان نشاطه يشمل الأراضي التالية التي تتجاوز نطاق المحيط الأطلسي وتتكون هذه الأراضي من :

11 – اراضي الأقطار المشاركة في الحلف والواقعة في أوربا . كالبرتغال ، بلجيكا ، هولندا ، أسبانيا ، والأراضي الواقعة في أفريقيا كالجزائر ، مالي ، الصومال ، أريتريا ، كذلك تركيا ، أيران وأفغانستان في أسيا .

2 – الجزء الشمالي من المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط وما يضللها من أجواء .

3 – الأراضي والقواعد التي تحتلها قوات حلف الأطلسي والأجواء التي تظللّها (1)

فكيف إذاً يمكن أعتبار حلف (الناتو) منظمة أقليمية توّحد سياسة وأهداف الدول المتجاورة، إذ تتجاوز نشاطاته دولاً مستقلة واقعة أعلى ضفاف البحر المتوسط وأفريقيا وآسيا. مما يشكل تهديداً دائماً بالعدوان على أستقلال وسيادة هذه الدول، كما نرى ذلك في الوقت الحاضر في العدوان على أفغانستان . حيث تحتل قوات (الناتو) أراضي الدول الأفغانية بحجة محاربة الأرهاب . هذه القوات التي دمرت أفغانستان وقتلت خيرة أبناء هذه الدولة المستقلة، بعيداً عن توصية أو قرارات مجلس الأمن. وما زالت قوات هذا الحلف سادرة في عدوانها على هذه الدولة المسالمة.

وأستقطب الحلف الدول الأوربية ، التي كانت ضمن المعسكر الأشتراكي مجنداً قوى هذه الدول لمحاربة (روسيا ، بولونيا ، دول البلطيق ، رومانيا بانياً في أراضيها صواريخه الدفاعية كما يدعي ، والتي تهدد سلامة الدولة الروسية).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
- أنظر . ساباكين ، الأمن الجماعي ضمان للتعايش السلمي ، ص 67. لغة روسية

كما تضمنت المادة 52 ف/1لى أن تكون التنظيمات والوكالات الأقليمية ونشاطاتها متلائمة مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها . 
فهل حقق حلف (الناتو) هذه المبادئ ؟؟

تتحدث الفقرة الأولى من المادة الأولى في باب مبادئ الأمم المتحدة عن التدابير المشتركة التي تتخذها المنظمة لحفظ السلم والأمن الدولي وقمع العدوان. وكذلك التذرع بالوسائل السلمية لحل المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الأخلال بالسلم. فهل يقود وجود هذا الحلف إلى تنفيذ الهدف النبيل للمنظمة الدولية ؟.

أن حقيقة قيام حلف الناتو وعمله خارج نطاق الأمم المتحدة ومشاريعه للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وما تقوم به من تحضير أعمال العدوان تسبب في تقسيم العالم إلى كتل متصارعة متسبباً في تفريق جهودها في التعاون ضمن نطاق الأمم المتحدة من أجل حل المشاكل الدولية وقمع أعمال العدوان. فقد سلب (الناتو) هذا الأختصاص من المنظمة الدولية، وهو يعمل بدون رقابة الأمم المتحدة كما أن وجوده يتسبب في زيادة التوتر في العالم، ويساعد في تصعيد سعار الحرب الباردة كما نراه في الوقت الحاضر في سلوكه إزاء روسيا، فارضاً العقوبات عليها بحجة عدوانها على أوكرانيا.

وهذه بعض الأمثلة لأعمال التدخل العدوانية التي قام ويقوم بها حلف (الناتو) ، وأبرز مثال على ذلك ما قامت به دول الحلف في أفغانستان ، التي أحتلتها خلافاً لقواعد الميثاق ، وبعيداً عن صلاحيات مجلس الأمن المسؤول المباشر عن حفظ السلم والأمن الدولي .
وقد قامت دول الحلف بتعضيد ومعاونة الولايات المتحدة بأحتلال العراق ، بدون طلب تدخل مجلس الأمن في هذا الموضوع ، الذي يعتبر من أهم أختصاصاته ، نظراً لأن الحلف بقيادة الولايات المتحدة لايعترف ، بل يتجاهل وجود مجلس الأمن لتحقيق أهدافه العدوانية وحين يحتاج لمساعدة المجلس في تنفيذ مصالحة . يلجأ لطلب المساعدة . كما حصل مع العراق ، إذ لجأت أمريكا والناتو لمجلس الأمن لأعتبار العدوان على العراق أحتلالاً وتطبيق قواعد القانون الدولي في موضوع الأحتلال .


كما قام الحلف بدون تدخل الأمم المتحدة بالعدوان على ليبيا وضرب نظام القذافي بحجة مساعدة الشعب الليبي ، وقد دمّر الحلف البنية التحتية ، والجيش الليبي تاركاً هذه الدولة مجالاً للصراع سامحاً ومشجعاً للأسلاميين في أقامة الصلح والقيام بالحرب الأهلية التي دمرت الأخضر واليابس ، وقتلت وتقتل خيرة أبناء الشعب الليبي .


واليوم تقوم دول حلف الناتو بأسم محاربة الأرهاب في تدمير المدن السورية ومساعدة الأرهاب الذي تكوّن وتغّول بمساعدة وأسناد دول الحلف وعلى رأسها الولايات المتحدة لأكثر من خمس سنوات دون نتائج أيجابية وهذه الدول الأوربية أعضاء حلف الناتو التي ساعدت في أنشاء التنظيمات الأرهابية ، تمتنع حالياً عن أستقبال آلاف اللاجئين الهاربين من القتل والدمار الذي خرّب بلدانهم ، هؤلاء التعساء الذين يموت الكثير منهم غرقاً في البحار ، وتمتنع الدول الحليفة من مساعدتهم وأيوائهم . هذه الدول التي شاركت في تدمير بلدانهم عن طريق المساعدات المادية والعسكرية المقدمة للأرهابيين .


والمثال الآخر لعدوان حلف الناتو ما قام به بعيداً عن مجلس الأمن بالتدخل العسكري في كوسوفو ضد الدولة الصربية بأسم حماية الألبان . حيث قامت طائرات الحلف بضرب عاصمة صربيا (بلغراد) فدمرت الممتلكات وقتلت الأبرياء من البشر(1)

ونصت الفقرة الثانية من المادة الأولى على أنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس أحترام المبدأ الذي يقضي بالمساواة في الحقوق بين الشعوب وان يكون لكل منها حق تقرير مصيرها . لكن حلف الناتو أدى إلى أنماء علاقات البغضاء بين الأمم عكس ما توخاه الميثاق في أهدافه .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – أنشأ الأتحاد السوفيتي حلف وارشو عام 19544 كحلف دفاعي مقابل حلف الناتو ، ولكننا لم نر من هذا الحلف سوى قيامه بأحتلال جيكوسلوفاكيا عام 1968 للقضاء على حكومته الليبرالية أيام ما سمي بـ (ربيع براغ) تحت ذريعة تهديد حلف الناتو بالتدخل في هذا البلد . ولكن لم تدل الشواهد على وجود أي نوع من أنواع التدخل من قبل الناتو . بل قامت روسيا بهذا الأحتلال لضرب المنشقين على سلطتها في براغ .

فطبيعة الحلف ونشأته وأهدافه موجهة ضد شعوب العالم . كما لاحظنا من الأعمال العدوانية التي أرتكبها الحلف في أفغانستان ، كوسوفو ، العراق ، ليبيا .

يجد المتابع بأنعدام المساواة بين أعضاء الحلف . فالأتفاقية المعقودة بين الولايات المتحدة واليونان في 12 تشرين الأول 1953 في أطار الحلف تصلح مثالاً لأنعدام المساواة بين الأطراف المشتركة في الحلف . فقد منحت هذه الأتفاقية وفقاً للمادة (2) الولايات المتحدة وأفراد قواتها أمتيازات كثيرة تنقص من سيادة هذه الدولة على أراضيها . ومن هذه الأنتهاكات لا يجوز محاكمة جنود الولايات المتحدة امام المحاكم اليونانية إذا أرتكبوا جرائم على أراضي اليونان ، فهم يحاكمون أمام المحاكم الأمريكية . كما رتبت المعاهدة ألتزامات ثقيلة على الحكومة اليونانية وشعبها(1)

أما فيما يخص الشطر الثاني من هذه الفقرة المتعلقة بحق تقرير المصير نجد أن حلف الناتو لم يساعد على توفير الظروف المتعلقة بحق تقرير المصير بل العكس صحيح ، فقد أستُخدمت قوات حلف الناتو لضرب حركات التحرر ودعم الدول الأستعمارية . حيث أستخدمت القواعد الأمريكية في أوربا للعدوان على لبنان عام 1958 . وأنطلق رجال المظلات البلجيكية عام 1964 من قواعد حلف الناتو لقمع حركة الشعب الكونغولي . وأستخدمت قواعد الحلف في البرتغال في تجهيز القوات البرتغالية بالرجال والسلاح للقضاء على حركات التحرر الوطنية

( أنكولا ، موزمبيق ، غينيا ، بيساو) .

وتنص الفقرة الثالثة من المادة الأولى من الميثاق على ( تحقيق التعاون الدولي في حل المسائل الدولية ذات الصبغة الأقتصادية والأجتماعية والثقافية والأنسانية . وعلى وتعزيز أحترام حقوق الأنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً ... إلا ان ميثاق الحلف يقضي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – أنظر : الكتاب السوفيتي السنوي للقانون الدولي عام 1958 موسكو 1959 ص 1866 ، لغة روسية .

وفقاً للمادة (3) بمساهمة أعضائه بالتطوير الفعّال لأسلحة دول الحلف بشكل دائم . مما يؤدي إلى تخصيص مبالغ طائلة من الميزانيات المالية . فلو وجه جزء من هذه المبالغ لحل المسائل الأقتصادية والأجتماعية والثقافية في البلدان الفقيرة ، لأستطاعت أن تحقق تطوراً كبيراً في القضاء على المرض والتخلف في بلدانها . غير أن ممارسة الدول أعضاء الحلف تشير إلى عكس ذلك . إذ وضعت نصب عينيها أهدافاً أخرى تتناقض وحاجة الأنسانية في محاربة الفقر والتلوث والأنحباس الحراري الذي قد يودي بالحياة البشرية . ولابد لي من ذكر موقف الولايات المتحدة الأمريكية إزاء مسألة الأنحباس الحراري الذي سوف يتسبب بعد سنوات قد لاتكون طويلة بتدمير الكرة الأرضية ، والقضاء على الحياة فيها . حيث أنسحبت أول مرة من توقيعها على أعلان (كيوتو) المتعلق بالمحافظة على البيئة وأتخاذ الأجراءات اللازمة في أنقاص غاز الكلور ز


واليوم يقف الرئيس الأمريكي (ترامب) موقفاً أمرّ وأدهى من الموقف السابق بعد أن تعهدت الولايات المتحدة في مؤتمر باريس في صيف 2016 بالألتزام بمقررات المؤتمر ، القاضية بمعالجة الكاربون المتسبب في الأنحباس نتيجة لكثرة المصانع والسيارات وغيرها من الوسائل ، التي تبث هذا الكاربون المدمر للكرة الأرضية . فقد أعلن الرئيس الأمريكي في الدعاية الأنتخابية بأنه سيلغي هذا التعهد بعد وصوله للسلطة ، حيث يرى بأن هذا الموضوع عبارة فسافس ودعايات كاذبة حول الضرر الناجم من أنطلاق غاز الكاربون . وهذا ليس بغريب عن تصرفات هذا الرئيس الأحمق الذي لا يهمه مصير البشرية ، بل تهمه زيادو أرباح مشاريعه وشركاءه الأحتكاريين دون الأهتمام بحاجات الأنسانية الأمريكية والعالمية . المهم زيادة الأرباح .

أن نشوء الحلف الأطلسي لا يستقيم ونص الفقرة الرابعة في المادة الثالثة من ميثاق الأمم المتحدة التي تقضي بأمتناع أعضاء الهيئة في علاقاتهم الدولية عن التهديد بأستخدام القوة ضد سلامة الأراضي والأستقلال السياسي لأية دولة . أو على وجه لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة . في حين نرى سياسة حلف ( الناتو) العدوانية تشكل تهديداً دائماً لأستقلال الكثير من الدول .

أقامت الولايات المتحدة مجموعة كبيرة من القواعد العسكرية في أراضي الدول الأعضاء بموجب أتفاقيات ثنائية في أطار حلف الناتو . إذ يعتبر وجود هذه القواعد تهديداً دائماً لأستقلال هذه الدول . كما أنها تهدد سلامة وأستقلال الدول المجاورة . مثال ذلك ما قامت به تركيا بتحريض من الولايات المتحدة بالتدخل العسكري ضد سوريا التي أنتهجت عام 1957 سياسة الحياد بعيداً عن الأحلاف .

وها هي تركيا تتصرف بدون حياء أو موانع بالتدخل العسكري بأسم محاربة (حزب العمال الكردي التركي pkk )) . حيث تقوم بقصف القرى الكردية بين آونة واخرى ، ويسقط ضحايا أبرياء في هذه الحملات . كما أنها أقامت قواعد لها شمال بامرني ودهوك لمحاربة الكرد متنكرة للسيادة العراقية ، وأرسلت في الآونة الأخيرة قواتاً عسكرية وأحتلت أراضي في مدينة (بعشيقة) وترفض سحب هذه القوات بالرغم من مطالبة العراق مرات عديدة لسحبها ، وأعتبار ذلك عدواناً على سيادة العراق ، غير أن الحكومة التركية لم تستجب وليس في نيتها أن تستجيب لطلب العراق سادرة في غيها ، معتمدة على الدعم الذي يقدمه حلف (الناتو) لها (1)

وتقضي الفقرة الأولى من المادة (53) بحق مجلس الأمن في أستخدام التنظيمات والوكالات الأقليمية في أعمال القمع تحت مراقبته وأشرافه . ولا يجوز لهذه المنظمات القيام بأي عمل من أعمال القمع بدون أذن المجلس ، ولكننا نرى ان دول الحلف لا ترضى بالخضوع لأحكام مجلس الأمن وتمارس الأعمال العدوانية منفردة بدون موافقة المجلس المذكور ، كما شاهدنا في أمثلة كوسوفو ، ليبيا ، سورية والعراق ، متجاهلة في ذلك وظائف مجلس الأمن في حفظ السلم والأمن الدولي ومكافحة أعمال العدوان .

نخلص من ذلك أن أتفاقيات الناتو لا تتمتع بالصبغة القانونية ، وهي مخالفة لنص المادة (103) التي تخضع الأتفاقيات المعقودة بعد أتفاقية (سان فرنسيسك)،والتي أنشأت الأمم المتحدة ، إلى تلائمها مع نصوص ميثاق الأمم المتحدة ولا تخرج عن أحكامه .
كما وأنها لا تعتبر من المنظمات الأقليمية كما وضحنا أعلاه .

نخلص من ذلك أن هذا العدوان الخطير على وظائف مجلس الأمن والأمم المتحدة تسبب ويتسبب بالأنتقاص من قواعد القانون الدولي ويؤخر تفعيل قواعد الميثاق ، والذي يجب أن يعالج لمصلحة المجتمع الدولي .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – أنظر بحث الدكتور سامي شبر . العدوان العسكري التركي على سيادة العراق .
بغداد ، 2017 (لغة أنجيليزية)

حدثت في مجرى تطور قواعد القانون الدولي طفرةٌ مهمة ، خلقت حيزاً كبيراً لحماية الأنسان من سطوة الحكام الشموليين ، وحمايته في مختلف الظروف ، كما حصلت تطورات مهمة في مجال السيادة ، التي تحوّلت من سيادة مطلقة إلى سيادة نسبية ، تستطيع المنظمة الدولية ، ومحكمة الجنايات أن تتدخل في مجال الأختصاص الداخلي لحماية الأنسان من حكامه المتجاوزين .

كان الأنسان ، ومنذ بدء تكوين المجتمع وأنشاء الدولة ورديفها القانون ، هو الهدف الأساسي للقانون إذ تتوجه أحكامه لتنظيم العلاقات المختلفة بين البشر . ومع تطور المجتمع الداخلي والدولي تطورت النظم السياسية والأجتماعية والقانونية ، فأصبح هدف هذه النظم الداخلية والدولية حماية هذا الأنسان من التجاوزات التي تقع عليه ، والحفاظ على أنسانيته وكرامته .

يقول الدكتور توفيق أبو ريشة (لقد نشأ القانون الدولي الأنساني ليقوم بوظيفة نبيلة ، كلما كانت هناك حرب أو نزاع مسلح ، سواء كان هذا النزاع ذا طابع دولي أو غير دولي ، سواء تمثل في حرب أو نزاع مسلّح بين طرفين منظمين ، كأن يتعلق الأمر بدولتين أو في مواجهة بين دولة مختلفة وتنظيم أو شعب يسعى إلى تقرير مصيره بذاته وتحقيق أستقلاله على أقليمه ، ففي جميع تلك الصور يتدخل القانون الدولي الأنساني لا لأيقاف الحرب أو النزاع فهذا ليس من مشمولات القانون الدولي الأنساني)(1)

وقد سار ميثاق المحكمة الجنائية الدولية على هذا النهج ، الذي يفرضه المنطق القانوني السليم ، فهناك تداخل بين الجرائم في حق الأنسانية وأحترام حقوق الأنسان في كل زمان ومكان . فعدم الربط بين الجرائم بحق الأنسانية والصراعات المسلحة الدولية والداخلية يجافي المنطق . فضلا عن ذلك ، فأن أطلاق تجريم الأعمال التي ترتكب بحق الأنسانية يجعل من الممكن مساءلة النظم التسلطية التي تمعن في التنكيل والبطش بمعارضيها وشعوبها كسياسة عامة ترمي لأستمرار هيمنتها على مقدرات البلد .

لا شك أن تفشي ظاهرة الأنتهاكات الجسيمة والوحشية لحقوق الأنسان أصبح أمراً يقلق المجتمع الدولي ، أذ أن هذه الأنتهاكات تنطوي على أنعدام المستوى الأخلاقي وتحدياً سافراً للضمير الجماعي الأنساني . كما أنها تمثل على المستوى القانوني أنتهاكاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
1 – أنظر ، أ د توفيق أبو ريشة ، القانون الدولي والعدالة الجنائية .
صريحاً وصارخاً لقواعد قانونية تجاوزت مصدرها الأتفاقي وتحولت إلى قواعد عرفية بحكم الأقدمية وتواتر العمل على الأخذ بها . وإلى مبادئ دولية عامة بحكم أستقبالها في معظم النظم القانونية الوطنية في العالم ، أكتسبت صفة القواعد الآمرة في القانون الدولي.
كان الميثاق أول وثيقة دولية أعتبرت حقوق الأنسان وحرياته الأساسية أحد مبادئ القانون الدولي . وقد نشأت الحاجة إلى أحترام هذا المبدأ عالمياً منذ فترة طويلة ، ولا سيما في محاكمة مجرمي الحرب العالمية الثانية .

نصت الفقرة (ج) من المادة (55) من الميثاق على أن تعمل الأمم المتحدة على أشاعة حقوق الأنسان وحرياته الأساسية في العالم . وإلى جانب النص المذكور فقد وردت نصوص أخرى تؤكد أهتمام الميثاق بمسألة حقوق الأنسان ، وتبدأ هذه النصوص بديباجة الميثاق التي تؤكد أيمان واضعيه ، بالحقوق الأساسية للأنسان وبكرامة الفرد وقدره ، وبما للرجال والنساء من حقوق متساوية .
وتنص المادة (13) في الفقرة (1) منها على أن تقوم الجمعية العامة بدراسات وتوصيات تستهدف الأعانة على تحقيق حقوق الأنسان والحريات الأساسية للناس كافة ، وتنص المادة (62) في الفقرة (2) منها أن للمجلس الأقتصادي والأجتماعي (أن يقدم توصيات فيما يختص بأشاعة أحترام حقوق الأنسان والحريات الأساسية ومراعاتها) .

كما ان المادة (68) تخوّل هذا المجلس حق أنشاء لجنة (لتعزيز حقوق الأنسان) . وأخيراً تنص المادة (76) في الفقرة(ج) على التشجيع على أحترام حقوق الأنسان والحريات الأساسية للجميع بلا تمييز.

فضلاً عن ذلك فقد أعربت الأمم المتحدة عن أهتمامها بمسألة حقوق الأنسان في جملة أعلانات ومواثيق وقرارات وأتفاقية دولية . ومن هذه المبادئ الأعلان العالمي لحقوق الأنسان 1948 وأتفاقية منع ومعاقبة جرائم الجنس البشري ( جرائم الأبادة 1948) والأتفاقية الخاصة بحقوق المرأة السياسية (1952) . والأتفاقية المتعلقة بمركز الأشخاص عديمي الجنسية (1954) ، والأتفاقية الخاصة بأزالة جميع أشكال التمييز العنصري (1956) . والميثاقان الخاصان بالحقوق الأقتصادية والثقافية والمدنية والسياسية 1966 .
وقد عرضت على الجمعية العامة منذ تأسيسها عشرات الشكاوي تتعلق بتجاوز الدول على حقوق رعاياها ، ورعايا دول أخرى تخضع لحمايتها أو وصايتها . ومن أوائل هذه الشكاوي ما تقدمت به الهند من شكوى ضد جنوب أفريقيا حول معاملة الأخيرة لرعايا الهند معاملة رديئة في 22 حزيران 1946 .
لقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين تطورات عميقة وسريعة في مجال تطبيق المسائلة الجنائية من الأنتهاكات الجسيمة لقواعد القانون الدولي الأنساني .
تمثل ذلك بأنشاء ثلاث محاكمات دولية جنائية ، هي محاكمة مجرمي الحرب في يوغسلافيا ، ومحاكمة مجرمي الحرب في رواندا وفي سيراليون ، كما اتخذ المجلس قراراً مهماً فيما يتعلق بحماية الشعب الكردي من جرائم صدام ،(688) الذي منع القوات العراقية والطيران من تجاوز خط العرض (35) . 

وقد حصل تطور مهم بالقواعد الخاصة بأخضاع رؤساء الدول ومعاونيهم للمسؤلية الجنائية الشخصية أمام المحاكم الدولية . إذ لم تعد العلاقة مقتصرة بين الدول ، بل تجاوز ذلك ليشمل كل مسؤول ارتكب جريمة تقع تحت أبواب جرائم الحرب والأبادة ، مهما كانت درجتهم الوظيفية ، من رئيس الدولة إلى المسؤولين العسكريين وعرضهم على المحاكم الدولية .

ومن اهم الأعمال التي يُسأل عنها الفرد وخضوعه للمسؤلية الجنائية الدولية . أعمال القرصنة في أعالي البحار ، تجارة الرقيق ، تجارة المطبوعات الممنوعة وأعمال الأرهاب ، تجارة المخدرات ، جرائم أبادة الجنس البشري ، جرائم القرصنة الجوية ، الأختطاف غير المشروع للطائرات ، الأفعال غير المشروعة ضد سلامة الطيران المدني وجرائم التمييز العنصري .

تم النص على تجريم الأفراد أمام المحاكم الدولية في أتفاقيات عديدة . يأتي في مقدمتها ، أتفاقيات جنيف الأربعة حول حقوق الأنسان 1949 ، والبروتوكول رقم (1) 1977 الملحق بها . وأتفاقية منع الأعمال غير المشروعة ضد سلامة الطيران المدني 1971 ، وأتفاقية تجريم جرائم الأبادة 1973 ، والأتفاقية الدولية ضد جرائم أختطاف الرهائن 1979 وأتفاقية ابادة الجنس البشري عام 1984 ، وأتفاقية منع الأعمال غير المشروعة ضد سلامة الملاحة البحرية لعام 1989 .

وبهدف تقرير المسؤولية الجنائية الدولية الواقعة على الفرد ، تم أنشاء قضاء جنائي مؤقت لمحاكمة مجرمي يوغسلافيا ، سيراليون ، رواندا ومحكمة جنائية دائمة بموجب أتفاقية روما لعام 1998 .

ولعل الأسباب التي أدت إلى أنشاء قضاء دولي تتمثل في :
1 – خطورة الجرائم المرتكبة وما يترتب عليها من أضرار للأنسان والممتلكات .
2 – وجود أحولٍ تحتّم أجراء المحاكمة الدولية لأحتمال عدم محاكمة الجناة أمام محاكم جنائية مختصة ، أو لوجود المحاباة وعدم النزاهة في المحاكمة .
3 – الطبيعة الدولية للجرائم المرتكبة وشجب الرأي العام العالمي لها .
4 – الرغبة في الأقلال من هذه الجرائم ، وذلك بعدم ترك الجناة أحراراً بدون عقاب ، الأمر الذي يمنع غيرهم من أرتكاب مثل هذه الجرائم .
أدت التطورات الكبيرة في وعي الرأي العام العالمي ، وفي تداعيات الأنهيارات التي حصلت للنظم الشمولية على أكثر من صعيد . كل ذلك ترافق مع سلوكيات همجية لا انسانية ، سلكتها بقايا الأنظمة الشمولية والعقليات التي أعتادت على الصعود على ظهور الجماهير ، حتى وصلت حداً إلى كسر رقابها بمئات الآلاف كما حصل في يوغسلافيا السابقة ، سيراليون وفي رواندا ، وغيرها من الأنظمة المتجاوزة على حقوق سكانها .

في مثل هذه الظروف القاسية تصدى مجلس الأمن مستنداً إلى الفصل السابع لأقامة محاكم دولية خاصة يقف أمامها مجرموا العصر ، تفضح الوسائل البربرية التي أستخدمت في القتل الجماعي والتدمير ، فما الذي بتقى من سيادة الدولة حين يتعرض سكانها للقتل الجماعي ويداس على حقوق الأنسان .

تصدى مجلس الأمن لمعاقبة الخارجين على قواعد القانون الدولي الأنساني لما أرتكبوه من جرائم القتل الجماعي والطرد والأغتصاب ،الأحتجاز والأعتداء على المستشفيات وعلى السكان المسالمين ، فقد نصت قرارت المجلس على تجريم مرتكبي تلك الجرائم وتحميلهم المسؤولية الجنائية الفردية ومعاقبتهم على ما أقترفته أيديهم . وتم أنشاء لجنة خاصة لجمع المعلومات (1)
جاء

عن الكاتب

رشدي عبد الغني

اذا أعجبك الموضوع فلماذا تبخل علينا بالردود المشجعة

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

قانون العرب