قانون العرب قانون العرب
.
random

آخر المواضيع

random
جاري التحميل ...

لغة المرافعات ( الخصائص اللغوية للمرافعة الناجحة ).

لغة المرافعات ( الخصائص اللغوية للمرافعة الناجحة ).

لغة المرافعات ( الخصائص اللغوية للمرافعة الناجحة ).
لغة المرافعات ( الخصائص اللغوية للمرافعة الناجحة ).

جَمعه / عبدالله بابكيلي

حضرموت - المكلا

19 ابريل 20177م عضو منتديات الفقه والقانون.


مما لا شك فيه أن الأفكار القانونية تبقى حبيسة في الذهن ما لم يعبر عنها باللغة، سواء أكانت هذه اللغة مكتوبة أم منطوقة. ومما لا شك فيه أيضاً أن الثقافة القانونية للعاملين في مجال القضاء متقاربة، ذلك أنهم يقضون سنوات وسنوات يدرسونها في معاهد العلم وفي مجال ممارستهم لمهنتهم القانونية.


أما ما يتمايز به العاملون في هذا المجال فهو اللغة، إذ إنها هي التي تحدد تفوق رجل القانون أو تخلفه، فالقانوني المتفوق هو الذي يجمع إلى جانب الفكر القانوني الناجح حسن التعبير عن هذا الفكر. وأرسطو إذ يتحدث في هذا الموضوع يرى أن كمال الأسلوب في الشعر والخطابة يعتمد على اللغة الواضحة الدقيقة دون إسفاف في الأسلوب ودون سمو لا مبرر له.


وفن الخطابة عامة، والمرافعة بشكل خاص لا تبلغ النتائج المرجوة، إلا عندما يحسن الخطيب أو المترافع استعمال اللغة، وليس سهلاً على المحامي أو عضو النيابة العامة أن يترافع ببساطة ووضوح وعفوية، فذلك لا يتحقق إلا بمعرفة لغوية دقيقة، وإلمام عميق بأصول الخطابة. فالمرافعة في ساحة القضاء، كما يصفها الأستاذ حسن الجداوي "مباراة أسلحتها الوحيدة المعتمدة قوة البيان، وثبات الحجة، وقرع الحجة بالحجة، والتدليل المنطقي والاستعانة – لكن بقدر- بتأثير العاطفة واستدرار رحمة الحكم الذي هو القاضي أو استثارة غضبه واستنهاضه لتحقيق واجبه".

والحق في أكثر الأحيان جوهر نادر ثمين مستقر في الأعماق، فلا يتبلج وحده كما يتبادر إلى الأذهان، بل إنه يكون خفياً عن الباحث لأن الباطل يخفيه بألاعيبه، أو لأن العهد طال عليه فصار كالمعدن الكريم المستقر في الأعماق، لذلك فمن العبث الاعتماد على قوته الذاتية، ولكن "لا بد من لسان فصيح يكشف الحجب عن الحق المستور". والقضاة بشر، ذوو وجدان تأسرهم البلاغة ويخلبهم جمال العرض ولين الاسترحام أو قسوة التحريض على الانتقام" وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو يذرها".


لذلك كله، فإن المحامي بحاجة إلى بيان حسن ومنطق واضح وبلاغة عالية حتى يصرع حقُّه باطل خصمه.


والمرافعة، شأنها شأن الخطبة العادية، تنقسم وفق التصميم الكلاسيكي إلى مقدمة وجسم وخاتمة، وعن مضمون المقدمة يتحدث (كانتليانوس) في كتابه المؤسسة الخطابية فيقول: "في المقدمة ينبغي إعلام القاضي دون إبطاء بما نريد بيانه في المرافعة وبالتصميم الذي اعتمدناه، وهي لا تتحمل الإسهاب بل يجب أن تكون موجزة كل الإيجاز، إذ على الرأس أن يكون منسجماً بحجمه مع الجسم".

ولكن هذا لا يعني أن تتحول المقدمة إلى برقية مقتضبة يعوزها الوضوح، بل لا بد من أن تكون موجزة بالقدر الذي يسمح أن يقدم جوانب القضية واضحة وتامة.

ولننظر إلى مقدمة مرافعة الدفاع عن تهمة (تنظيم الجهاد) في مصر الواردة برقم 28 لسنة 19822 أمن دولة عليا إذ يقول : "إننا ندافع اليوم عن مظلومين فيما نسب إليهم وعن مسلمين حاولوا إعمال الفكر الإسلامي لكنهم قوبلوا بأسوأ معاملة ونسبت إليهم أفعال جرمها القانون وهم منها براء.


(ثم يردف قائلاً )

حضرات المستشارين :

سوف أتحدث عن فكر ومبادئ وأهداف المتهمين التي وصفها ممثل الادعاء بأنها آثمة، ولكن أقول له مهلاً ورفقاً بنا يا زميلنا الفاضل... لأن هذه الأفكار وتلك المبادئ هي الإسلام بكماله وشموله، لأن الإسلام حياة كاملة للأسرة والفرد والمجتمع والبشرية كافة، فهو شريعة صالحة لكل زمان ومكان، وشريعة فوق كل الشرائع لا يكتمل أي أمر إلا بهذه الشريعة، والانتصار لهذا الدين أساس، والدفاع عنه واجب مفروض على كل المسلمين.

والمتهمون يريدون الانتصار لدين الله، وفي سبيل ذلك فإنهم مستعدون للموت، وإنه لا يكمل إيمان مسلم حاكماً أو محكوماً إلا بتطبيق شرع الله، والدليل على وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية مستمد من القرآن، إذ قال عز من قائل: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" وقال تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون" وقال جل وعلا: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" والمستفاد من قوله تعالى: "فاحكم بينهم بما أنزل الله" فهذا أمرٌ يدل على عدم مشروعة التحاكم بغير ما أنزل الله، وقاعدة الحكم بما أنزل الله لا خلاف عليها، وإن الله وصف الذين يحكمون بغير ما أنزل بأنهم كافرون ظالمون فاسقون... فهدف المتهمين جميعاً إقامة الدولة الإسلامية التي تحكم بشرع الله".

( انتهى )


إن هذه المقدمة التي استعرضناها آنفاً تصلح لأن تكون نموذجاً يستدل بها على الخصائص اللغوية للمرافعة، فقد ألبس - محامي الدفاع - لغته ثوب العقل، ووجه ألفاظه لتخاطب فكر القاضي فحشد فيها ألفاظ الأدلة والثبوت والأحكام الشرعية، وبالاعتماد على هذا النموذج يمكن أن نستشف الخصائص اللغوية للمرافعة الناجحة وهي :


أولاً: الاستعمال الصحيح للغة من حيثُ النحو، فاللغة العربية تـنماز عن غيرها من اللغات في أن قواعد النحو تمثل جزءاً من معنى العبارة، وأي خلل في هذه القواعد يؤدي إلى خلل في المعنى، بل إن الخطأ في علامات الإعراب الضمة والفتحة والكسرة يقلب المعنى تماماً، ويؤدي إلى الخلط بين المتهم والمجني عليــه وقد نص على ذلك الجرجاني إذ قال: "ليس النظم (نظم الكلام) إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو" فعلم النحو إذن ليس تأليف الكلمات بشكل صحيح داخل التراكيب وإنما هو أيضاً العلم الذي يعنى بأن تؤدي العبارة المعنى المطلوب أو المعنى المقصود. وليس مطلوباً من المترافع أن يكون عالم لغة، وإنما كل ما هو مطلوب منه أن يكون لديه ثقافة لغوية لأن يكتب وينطق بشكل صحيح.


ثانياً: إن المترافع في الغالب يخاطب هيئات ذات حظ معقول من الثقافة العامة، فلا بد من احترام هذه الثقافة بأن تكون ألفاظ المرافعة ملائمة للذوق اللغوي السائد عند أهل القانون، فهم مثل غيرهم من الطبقة المثقفة، لغتهم قريبة من الفصحى وأعلى من العامية، ولا يجوز له الانحدار إلى العامية إلا إذا صعب عليه تصوير فكرته بالفصيحة. أو إن أراد أن يأتي بنكتة تفكهة للسامعين، أو أن ينقل عبارة شاهد ليناقشها. ويمكن للنكتة أن تكون بلغة فصيحة، ومن أمثلة ذلك ما قاله عمر عارف الذي ترافع في قضية قذف مشهورة كان المتهم فيها موظفاً استباح لنفسه أن يتدخل في السياسة وجمح به قلمه ونال من رجل كريم فقال: ولكن المتهم آثر التعرض للسياسة وما هو لها وانصرف إلى التشيع فيها، ورضي أن يكون موقفه منها موقف الزبانية من جهنم فهو يطلع على خصومه يشع وجهه ناراً، منتفخ الأوداج ينضنض بلسانه على لقم الطريق، إن تعرضوا له يلهث وإن تركوه يلهث، ثم إذا فرغ من تعذيب الناس مما رماهم به من جارح القول، عاد يتصبب عرقاً وأخذ مجلسه من ديوان الصناعة والتجارة يمد يداً للوظيفة يعدها قرشاً قرشاً، ويمسح عرقه بالأخرى كأنه أبلى في عمله الحكومي الذي أؤتمن عليه".

وهناك من يرى "أن العربية الفصيحة ما تزال إلى اليوم لغة صنعة، وأنها ما تزال تجهد المخاطَب والمخاطِب معاً، والإجهاد إذا طال انتهى إلى الملل والسآمة".

لذلك لا بد من بقاء العامية في رأيه لغة مرافعة إضافية لرواية اللطائف أو صياغة الملح والنكات كي يخفف بها الضجر ويطوي ملل الجلسات الطويلة وحجته في ذلك ألا ضرر في بقائها إذ إنها لغة كلام متبخر زائل بزوال الجلسة. وعلى كل حال فلا بد للمرافعة من أن تكون بلغة مرسلة لا تشادق فيها ولا تفيهق، بعيدة عن التكلف سالمة من السجع.


ثالثاً: إن لغة المرافعات لغة حديث لا لغة كتابة، وعلى هذا فإن المتحدث بحكم طبيعة الموقف مضطر إلى مواصلة الحديث في غير توقف أو تردد، فيلجأ إلى الابتكار والارتجال مستعيناً بوسائل الإلقاء من حركة وإشارة ونبرات وقوة شخصية وسرعة بديهة.

وإذا كان المترافع مضطراً إلى أن يعد مرافعته فإنه يراعي أن يكتبها بغير لغة الكتابة، فلا يستعمل الألفاظ المنمقة ولا يحتال على المعاني البعيدة ولا يطلق العنان لخياله فيأتيه بصورة شعرية رائعة، وذلك لأن الحاجة تدفعه إلى إفهام سامع يرمقه بعين تشع انتظاراً قد ينقلب في لحظة إلى تململ أو سآمة.

ولنسمع إلى المحامي الشهير "فارير" يحدثنا عن طريقته في إعداد مرافعاته فيقول إنه كان يفكر أياماً قبل المرافعة في قضية عظيمة فإذا ما دنت الجلسة أوى إلى مكتبه وترك قلمه حراً يسجل ما يجول بخاطره كأنه يخطب في المحكمة، فإذا ما فرغ طوى ما كتب وقد ارتسم في ذهنه واتضحت أمامه معالم الدفاع، ثم يترافع بما رسم، معتمداً على موهبة الارتجال.

وهناك بعض الحالات لا بد فيها من الاعتماد على الألفاظ الفخمة، فالقضايا الجنائية والسياسية الخطيرة تلائمها العبارات الخطابية الاحتفالية لهجة وإنشاء؛ مثال ذلك تلك العبارات التي خاطب بها المحامي هيئة المحلفين بقوله: "يا إله المؤمنين اهبط من عليائك واستقر في هذه القاعة وفي قلوب المحلفين، قل لهم إن حق الحياة وإرادة الموت ملكك وحدك، وأنتم يا من ستتحملون أصعب المسؤوليات، ليكن حكمكم مبرئاً من المثول بسببه أمام الله يوم الحساب الكبير".

على أنه يجب أن لا يغيب عن الذهن أن مثل هذه العبارات الخطابية تستلزم مواهب خطابية كبيرة وسيطرة تامة على اللغة، فيخشى أن يجد المترافع نفسه عاجزاً عن متابعة هذا الأسلوب الفخم فينحدر هابطاً عن الذروة التي بدأ منها إلى الدرك المعاكس مما يزعج السامعين لأنه يتنافى مع أصول البلاغة.

ومن المرافعات التي حاول فيها صاحبها أن يكون أسلوبه فخماً بليغاً دون كفاءة فإذا به يبدو مبتذلاً متكلفاً، مرافعة النائب العام في دعوى سيدة متهمة بدس سم الزرنيخ لزوجها وقتله إذ يقول: "هل ستقولين (يا ماري كابل) إن والدة (شارك لافراج) هي التي سكبت له السم؟

ولكن احذري غضب المحلفين إذا خطرت لك هذه الفكرة، إذا ادعيت مثل هذا الادعاء فإنك سترتكبين جناية جديدة تدفع هؤلاء المحلفين إلى قساوة لا يضمرونها لك الآن. أمامكم على هذا المقعد، أجل، (يا ماري كابل) هذه أنت التي وضعت السم لزوجك، أنت التي عذبته بالسم خلال خمسة عشر يوماً، أنت التي اشتريت السم واشتريت منه كثيراً. إذا لم تكوني مذنبة فلا يكفيك أن تقولي إنك مقتنعة ببراءتك، بل عليك أن تدلينا على الذي أبدل قرص الحلوى السليم وعلبته بقرص آخر مسمم وعلبته. ثم قولي لنا ماذا صنعت لنا بكميات الزرنيخ الكبيرة التي اشتريتها؟ أيها المحلفون الذين لا أعرفهم ولا يعرفوني. ولكني مجذوب إليهم بالعاطفة التي تشدني إلى هذه المنطقة حيث ولدت، أيها المحلفون: كونوا أوفياء لقسمكم، لا تتصلوا بأحد أرجوكم... لا تتأثروا خارج القاعة بأي انطباع يمكنه أن يفعل فعله بعنف في قناعتكم ويشوه طهارة حكمكم، هذا ما أطلبه منكم، ولكن أطلب منكم قبل كل شيء أن تكونوا عادلين، ولن تكونوا عادلين إذا قبلتم بتدخلات أي إنسان يحاول أن يخلص بأي ثمن امرأة لا يمكن أن تخلص".

ففي مثل هذه المرافعات وبرغم وضوح الأدلة، فإن المترافع لم يستطع أن يرتفع بلغته إلى مستوى الأدلة، وكثيراً ما تهبط اللغة الركيكة والهزيلة بالأدلة القوية، وفي الجهة الثانية، إذا كانت القضية سيئة في مجملها، فإن على المترافع أن يبتعد عن لغة المبالغات غير المعقولة والأكاذيب الصارخة والحجج الواهية، وعليه أن يعترف بسوء وضعه بمعالجة لغوية تؤدي الغرض المطلوب، ومن ذلك ما قاله محامي الدفاع (بوديه) في قضية قتل إذ قال: "لا شك في أن موكلي قتل دون أن يعي ماذا يفعل، قتل لأنه فقد صوابه وسط زحمة التفاصيل غير المقصودة، صحيح أن هناك ضحية بريئة، لكن الصحيح أيضاً أنه لا يجوز التضحية بضحية أخرى (والتفت إلى المحلفين قائلاً): إن مقتل الشرطي حصل في جو ساخن من الذعر والفوضى، أما أنتم فإنكم ستصدرون حكمكم بهدوء، فلا تدعوا (فش) يموت بحكم منكم ويكون موته قد تم في جو أين منه جو الجريمة المقترفة".

فالمحامي هنا بدأ مرافعته بالاعتراف أن موكله قاتل، دون أن يبالغ في تبرير موقف المتهم، وبدلاً من ذلك راح يستعمل الألفاظ التي تخاطب عواطف المحلفين وتهز مشاعرهم.


رابعاً: إن المرافعة مخاطبة لمشاعر القضاة وعقولهم في آن واحد، ولهذا لا بد في لغتها من أن تكون مطابقة لمقتضى الحال، فإذا ما أراد النائب أن يتحدث عن الجانب القانوني في القضية فإنه عندئذ يخاطب عقولهم. فيعرض الأدلة بلغة هادئة متزنة خالية من عبارات الحماسة مما يؤدي إلى الاقتناع العقلي بالدليل. وأما إذا ما عرض إلى قوة القانون وسلطانه، فيختار الألفاظ الفخمة والعبارات القوية "ليلقي في روع السامعين مهابة القانون فيلتزموا خط الطاعة ويخاف العصاة صولة العقاب".

وإذا ما وجد عضو النيابة نفسه أمام هيئة من الدفاع من أهل البيان واللسان، ورأى محاولتهم التأثر بالكلام، فمن مصلحة العدالة أن يكون هناك تفوق للاتهام على الدفاع، لذلك عليه أن يشهر عليهم مثل سلاحهم دون تحيز ولكن سعياً لإحقاق الحق والدفاع عنه، ولا ينسى أن غايته الإقناع وفي ذلك يقول أرسطو: الإقناع هو ما يسعى إليه الخطيب وهو غاية الخطابة، ولا يتحقق بأي معان اتفقت ولا بأي أحوال عرضت، بل إنه يقع بمعان مخصوصة وهيئات مخصوصة، وفصاحة الألفاظ يجب أن تحوي المقدرة على الإفهام والإفصاح عن المعاني كما يجب أن تكون حسنة الموقع على الأسماع، لا تنفر منها الأذواق ويجب أن تكون قادرة على تحقيق المراد من تعظيم المعنى عند إرادة التعظيم أو تحقيره عند إرادة التحقير. والمحامي في هذا الجانب مثل النائب، فلا بد من أن يمثل قدرة على تطويع اللغة باستعمال مفردات تنقل الصورة التي يريدها وفق مقتضى الحال، وهذا لا يكون إلا بامتلاكه ثروة لغوية كبيرة، يصرف بها فنون القول ويسلك طرق البيان فيعرف كيف يثير الوجدان ويمس المشاعر، "وإن كلام المحامي ليبقى مجرد كلام لا طائل تحته حتى تغشاه عاطفة صادقة فتصبح له قوة السحر" ولنسمع إلى ختام مرافعة الأستاذ أحمد لطفي عن الورداني قاتل رئيس وزراء مصر بطرس غالي، إذ حشد فيها الألفاظ التي تمس العاطفة، وتؤثر في المشاعر: "أما أنت أيها المتهم فقد همت بحب بلادك حتى أنساك ذلك الهيام كل شيء حولك، أنساك واجباً مقدساً هو الرأفة بأختك الصغيرة وأمك الحزينة، فتركتهما تبكيان هذا الشاب الغض، تركتهما تتقلبان على جمر الغضا، تركتهما تقلبان الطرف حولهما فلا تجدان غير منزل مقفر غاب عنه عائله، تركتهما على ألا تعود إليهما، وأنت تعلم أنهما لا تطيقان صبراً على فراقك لحظة واحدة، فأنت أملهما ورجاؤهما. دفعك حب بلادك إلى نسيان هذا الواجب وحجب عنك كل شيء غير وطنك، فلم تعد تفكر في تلك الوالدة البائسة، وهذه الزهرة ا ليافعة، ولا فيما ينزل بهما من الحزن والشقاء بسبب ما أقدمت عليه، ونسيت كل أملك في هذه الحياة، وقلت إن السعادة في حب الوطن وخدمة البلاد، واعتقدت أن الوسيلة الوحيدة للقيام بهذه الخدمة هي تضحية حياتك، أي أعز شيء لديك ولدى أختك ووالدتك، فأقدمت على ما أقدمت راضياً بالموت لا مكرهاً، ولا حباً في الظهور، أقدمت وأنت عالم أن أقل ما يصيبك هو فقدان حريتك، ففي سبيل أمتك بعت حريتك بثمنٍ غال.

فاعلم إذاً أيها الشاب أنه إذا اشتد معك قضاتك - ولا أخالهم إلا راحميك - فذلك لأنهم خدمة القانون، وهذا هو السلاح المسلول فوق رأس العدالة والحرية. وإذا لم ينصفوك - ولا أظنهم إلا منصفيك - فقد أنصفك ذلك العالم الذي يرى أنك لم ترتكب ما ارتكبته بنية الإجرام، ولكن باعتقاد أنك تخدم بلادك، وسواء وافق اعتقادك الحقيقة أم خالفها فتلك مسألة سيحكم التاريخ فيها.

وإن هناك حقيقة عرفها قضاتك وشهد بها الناس، وهي أنك لست مجرماً سفاكاً للدماء، ولا فوضوياً من مبادئه الفتك ببني جنسه، ولا متعصباً دينياً وإنما أنت مغرم ببلادك هائم بوطنك.

فليكن مصيرك أعماق السجن أو جدران المستشفى، فإن صورتك في البعد والقرب مرسومة على قلوب أهلك وأصدقائك، وتقبل حكم قضاتك باطمئنان واذهب إلى مقرك بأمان".

وفي بعض القضايا الجنائية، يلجأ المحامي إلى العبارات الفخمة إذا أراد أن يصور حماسة المتهم في الدفاع عن دينه أو نفسه أو عرضه مثلاً، ليكون بذلك ناقلاً لقوة حماسة موكله واندفاعه فيما يفعل، ففي قضية تنظيم الجهاد السالفة الذكر استطاع المحامي أن ينسب التهمة إلى فرض من فرائض الدين الإسلامي، وراح يستأنس بلغة الخطبة الدينية بالاستناد على كتاب الله العزيز أو بالسنة النبوية والأثر، وفي الوقت الذي رأت فيه النيابة أن تهمة الجهاد فعل إجرامي، الغرض منه قلب نظام الحكم، رأى المحامي أن المتهمين أناس مؤمنون يريدون الانتصار لدين الله ولأجل هذه الغاية يضحون بأنفسهم.

ولا ننسى أن لغة المرافعة التماس، وعباراته يجب أن تكون عبارات إكبار وإعظام وهذا لا يقتضي التذلل أو الضعة في توجيه الخطاب، بل هي في الوقت نفسه لغة عزة وجرأة.

ولنسمع إلى ديسيز وقد دعاه لويس السادس عشر إلى الدفاع عنه أمام الجمعية التأسيسية في وقت جمعت فيه هذه الهيئة في يدها جميع السلطات، فلم تأخذه في الحق لومة لائم وقدم مرافعته بلغة جريئة إذ قال: "أيها المواطنون! أخاطبكم بلسان الرجل الحر، إني أبحث بينكم عن قضاة "للويس" وأنتم خصومه؟ أتريدون أن تجلسوا للحكم في قضية لويس ولكم فيها رأي يجوب أوروبا من أقصاها إلى أقصاها؟ أيكون لويس الفونسوي الوحيد الذي لا يحميه القانون ولا يتبع في محاكمته إجراء واحد صحيح؟ أيجرد من امتيازاته كملك ومن حقوقه كمواطن، أيخذله القانون حاكماً ومحكوماً؟ ياله من مصير عجيب لا يتصور".

ومن مطابقة اللغة لمقتضى الحال أن يكون الإسهاب في موضعه والإيجاز في موضعه. والمترافع يراعي أن كل تطويل في غير التحليل والتفصيل عند الحاجة إضاعة للوقت، وكل إيجاز فيه نقص وتعمية وإبهام وإخلال بالواجب المناط، لذلك وجب عليه أن يختار الألفاظ من غير حشو أو نقص، مع العناية بترتيب الألفاظ لتكون مستوفية للمعاني التي تدل عليها.


خامساً: وما يجعل إدراك المعنى صعباً أو ملبساً إكثار المترافع من الجمل الاعتراضية وإطالة الجملة إطالة مسرفة وإيراد الألفاظ الغريبة والحوشية، إذ إن عليه أن ينقل أفكاره بألفاظ وجمل تضمن له الفهم السريع وبالتالي التأثير والاستجابة، وأكثر المترافعين كانوا حريصين على هذه الصفة، فقلما نجد في خطبهم التواء في التعبير أو تقصيراً لفظياً، ولننظر إلى مرافعة الأستاذ عبداللطيف محمود المحامي عن المتهمين بالحق المدني في قضية مقتل أمين عثمان باشا، سنرى إكثاره من الجمل المعترضة مما أدى إلى بطء في الفهم. إذ يقول : "سأحاول جاهداً مثلكم أن أصدق كل هذا، لأن خليطاً من الشباب الفاسدين – من شباب هذا الجيل - وهم بحمد الله قليلون، ولا أجد ما أصفهم به أبلغ مما وصفتهم به النيابة – قام بخلده أو بث فيه أن دمه حل لهم مباح سفكه بمقولة أنه كان من أنصار الإنجليز" ولم يبق لنا إلا أن نقول ما قاله الأستاذ زكي عريـبي المحامي من أن الناس قد اتفقوا "من قديم على أن البلاغة صفة لازمة لمن جعل الدفاع عن حقوق الناس مهنته، وتواضعوا على وجوب أن يكون المحامي فصيح اللسان بالغ الأثر بكلامه متلاعباً بالعقول والقلوب".


منقول (بتصرف يسير) من بحث :

المرافعة القضائية

( نشأتها وأصولها.. لغتها.. أساليبها.. طرق أدائها )


للدكتور سلمان القضاة

جامعة اليرموك.

-----------------------

الحقوق محفوظة 🌐لشبكة🌎منتديات الفقه والقانون اليمني🌎


عن الكاتب

رشدي عبد الغني

اذا أعجبك الموضوع فلماذا تبخل علينا بالردود المشجعة

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

قانون العرب