قانون العرب قانون العرب
.
random

آخر المواضيع

random
جاري التحميل ...

القوانين الإجرائية والتشريعية - مقال قانوني


شارك في التأليف: الدكتور سامي صالح الوكيل

ينظم الاجتهاد الممارسة الفردية في الدولة من حيث البحث عن الأدلة الشرعية والاستنباط منها لأحكام تعالج السلوك الإنساني، ويستوي في ذلك الحكام وأفراد الرعية، ونظرًا لأن الدولة بوصفها هيئة معنوية منفذة للشرع، ويتطلب عملها الإلزام للرعية، فإن ذلك يقتضي جعل الاجتهادات المطلوبة للحكم ورعاية الشؤون ملزمة للرعية، لتمكين الدولة من ممارسة صلاحياتها، وهذا الإلزام لاجتهادات معينة هو ما يطلق عليه في الاصطلاح "من القانون" أو "التقنين"، وقد رأينا في هذا البحث استخدام لفظ "القانون"، مع أنها لفظة أجنبية معربة؛ لكونها في الاصطلاح المعاصر يقصد بها "مجموعة الأوامر والنواهي الواجب الالتزام بها في البلاد [1]"، وبهذا المعنى لا يعد استخدام اللفظ محظورًا شرعًا؛ حيث مقصودنا الأوامر والنواهي الملزمة من الدولة، وليس المقصود المفهوم الشائع لدى الناس الذي يربط القانون بالوضع، واعتبار القانون الأحكام الوضعية المضادة للشرع؛ حيث إن التضاد للشرع قد تحمل في أوامر الدولة ونواهيها إذا كان مصدرها مخالف للشرع، حتى لو أطلق عليها مصطلحات أخرى؛ "كالقاعدة"، أو "النظام"، أو "الدستور"، أو غير ذلك.

القوانين الإجرائية والتشريعية - مقال قانوني


هذا من حيث الاصطلاح، أما من حيث البحث، فيما يمكن الإلزام به وسنه كقانون للرعية في الدولة الإسلامية، فإننا نجد أن ميزة التشريع السياسي الإسلامي تتجلى في الفصل الواضح بين الأحكام والأوامر والنواهي الشرعية الثابتة، والتي قصر الإسلام مصادرها على نصوصه وأدلته الشرعية، وحصر أخذها في هذه النصوص والأدلة، عن طريق الاجتهاد وجعلها لا تقبل التغيير والتبديل، وبين الأحكام الأوامر والنواهي الأخرى الخاصة بالجوانب الإجرائية والأساليب والوسائل، والتي تعد وليدة ظروف مادية معينة، والتي أذن التشريع الإسلامي باقتباسها بما يحقق المصلحة المقصودة منها، ضمن الحدود والضوابط الشرعية.



وبمقارنة ما يشبه ذلك في التشريع الغربي المعاصر، نجد أن التشريع الغربي لا يحوي قوانين وأحكامًا ثابتة ودائمة، وإنما يقتصر في هذا المجال على تحديد صاحب الصلاحية في وضع القانون، وعادة ما يكون البرلمان أو مجلس الشعب، هو الواضع للقوانين العامة للدولة، وهو كذلك محدد القواعد الدستورية والمبادئ الأساسية لها والحقوق الفردية والجماعية، والنظام الأساسي للقضاء وللوظائف العامة، وضمانات الحريات ونحو ذلك، بينما تتولى السلطة التنفيذية وضع القوانين الفرعية الجزئية التنظيمية والإدارية والتي تهدف إلى "توضيح تنظيم وسير السلطات العامة، عن طريق تطوير المبادئ والقواعد المعلنة في الدستور"[2]، ويطلق على هذه القوانين الفرعية التنظيمية في الفكر الغربي مسمى (القانون الإداري)، والذي يعرف بأنه قانون: "ينظم هيئات السلطة التنفيذية بالدولة ونشاط هذه الهيئات، وعلاقاتها بعضها مع بعض ومع الأفراد"؛ ولذلك فالقانون الإداري "يبين كيفية تكوين الجهاز الإداري في الدولة، ويحدد وظائف واختصاصات السلطات الإدارية، والحقوق التي تتمتع بها... في مباشرة وظائفها، والقيود المفروضة عليها لضمان حقوق الأفراد وحرياتهم[3].

وتنص بعض الدساتير الوضعية على أن كل قانون "لم يذكر في المجال الخاص في البرلمان، يعتبر من النظام التنظيمي" [4]، وبذلك فان الدساتير الوضعية تجعل القوانين والقواعد؛ إما أساسية عامة، ويشرعها البرلمان أو لوائح وتنظيمات فرعية تضعها السلطة التنفيذية، وبالنظر إلى ما يقابل ذلك في الشريعة الإسلامية، نجد أنها جاءت في مصادرها بكل من المبادئ والأحكام الأساسية والقواعد العامة، بالإضافة إلى الأحكام التفصيلية الفرعية لجوانب مختلفة من النشاط البشري؛ ولذا لا تميز الشريعة بين القوانين والأحكام؛ من حيث كونها أساسية عامة، أو فرعية جزئية، بل إن نصوصها ومصادرها شاملة لكل منهما.



وبالتدقيق في طبيعة الأحكام الشرعية الواردة في مصادر الشريعة الإسلامية، وبالنظر في السيرة النبوية يظهر - مع ذلك - وجود نوعين من القوانين والقواعد والأحكام التي تنظم المجتمع الإسلامي، الأولى منهما: القوانين التي ليس لولاة الأمر ولا لأحد من المسلمين تجاوز مصادر الشريعة في أخذها أو النظر فيما سواها بحال، وهو ما يمكن تعريفه بالأحكام والقوانين التشريعية، والنوع الآخر هو قوانين وأحكام تركت الشريعة لولاة الأمر وللفرد المسلم أخذه بحسب تحقيقه للمصلحة من أي مصدر، على ألا يؤدي ذلك إلى منافاة أو مناقضة الشرع، وهذا النوع ما يمكن أن يطلق عليه الأحكام والقوانين الإجرائية، ونبين فيما يلي تعريف كل من هذين النوعين والدليل على ما ذكر.

تتضمن المصادر الشرعية قوانين تشريعية لمعالجة كافة ما يتعلق بأفعال العباد؛ من حيث الحكم التكليفي عليها بالإيجاب أو الندب، أو الإباحة أو الكراهية والتحريم؛ من حيث الحكم بالوضع؛ كبيان السبب والشرط، والرخصة والعزيمة والموانع، والصحة والفساد للعقود، ونحو ذلك، وتتمثل هذه القوانين التشريعية في أحكام شرعية حوتها المصادر الشرعية؛ سواء أكانت من الأحكام والمبادئ الدستورية؛ كطاعة ولي الأمر والبيعة والشورى، أم أحكامًا فرعية جزئية؛ كأحكام القانون الجنائي؛ نحو: وجوب قطع يد السارق، ورجْم الزاني المحصن، أو أحكام الأحوال الشخصية؛ من إباحة الزواج والطلاق، أو أحكام القانون المدني؛ كالتجارة والبيع، وكذلك ما يتعلق بهذه الأحكام من شروط وأسباب وموانع لها.

كما تشمل القوانين التشريعية أيضًا الأمور المتعلقة بالقواعد الكلية العامة؛ كوجوب إزالة الضرر، أو الأمور الاعتقادية والأخلاقية؛ كبر الوالدين، وتحريم السجود لغير الله، وبناءً عليه نعرف القوانين والأحكام التشريعية بأنها "القوانين التي موضوعها حكم شرعي أو عقيدة، أو قاعدة كلية شرعية، واشتملت عليها المصادر الشرعية الإسلامية"، ويقصد بالحكم الشرعي الحكم التكليفي الوارد في الشرع على الفعل بالوجوب أو الندب، أو الإباحة أو الكراهية أو التحريم أو الحكم بالوضع كبيان السبب والشرط والمانع ونحو ذلك[5]. ونضرب لذلك مثلا حكم الشورى هل هي واجبة أو مندوبة أو مباحة؟ وهل يجب أخذ الشورى من جميع المسلمين أو من أهل الحل والعقد فقط، فان تقنين ذلك من قبل الدولة يعد قانونا تشريعيا لكون موضوعاتها حكما شرعيا ينبغي استنباطه من مصادر الشرع، وكذلك فان عقوبة السارق أو الزاني وشروط اقامة الحد على كل منهما وموانع ذلك، تعد أمرا تشريعيا لان موضوعها حكم شرعي نص عليه الكتاب والسنة، وهكذا مع ملاحظة أن اشتمال المصادر الشرعية للقانون التشريعي قد يكون اما بالدلالة عليه صراحة أو بالاستنباط منها. اما الدليل على اشتمال الشريعة الإسلامية لكافة الأحكام سواء كانت أساسية وعامة أم فرعية جزئية، فأمر ثابت بالكتاب حيث يقول الله عز وجل ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾[6]. ويدل قوله تعإلى ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾[7] وقوله تعإلى ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا ﴾[8] قال ابن مسعود «بين لنا القرآن كل علم وكل شيء وقال مجاهد كل حلال وكل حرام»[9] إلى غير ذلك من أدلة على اشتمال الشريعة على قوانين تشريعية لتنظيم كافة ما يصدر عن الانسان من أفعال.

أما دليل عدم جواز أخذ الأحكام التشريعية من غير مصادر الشريعة فيؤكده الكتاب والسنه حيث حرم الله - سبحانه وتعإلى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ذلك تحريمًا جازمًا، فقد وصف الله - سبحانه وتعإلى - من يفعل ذلك بالضلال والنفاق وأنذره بالعذاب بقوله ﴿ أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾[10]. كما نهى - سبحانه وتعإلى - عن رد حكم الله ورسوله بقوله ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾[11]. وقال تعإلى ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإلى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴾[12]. وأكد عز وجل وجوب الاحتكام إلى الشرع بقوله ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإلى أُولِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾[13]. ويقول الله عز وجل محذرا من يخالف أمره ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾[14].ومما يؤكد ذلك، أيضا، قوله - صلى الله عليه وسلم - «فمن رغب عن سنتي فليس مني»[15]. مما يدل على تحريم الرجوع إلى غير الكتاب والسنة فيما يتعلق بالحكم على الافعال من حيث الوجوب والندب والإباحة والكراهية والتحريم، التي اشتملت عليها مصادر الشريعة؛ ولذلك فتبني أو قبول حكم أو قانون تشريعي من غير مصادر الشريعة، يعد كفرًا بالله وإيمانًا بالطاغوت إذا خالف هذه المصادر.

أما بالنسبة للقوانين الإجرائية، فإن الشرع الإسلامي - مع بيانه لحكم كل شيء - فإنه فيما يتعلق بأساليب ووسائل أداء ذلك الحكم الشرعي، والتي قد تختلف من زمن لآخر، ومن مكان لمكان، ترك دفاع للحرج عن المسلم أن يختار الأنسب من تلك الأساليب والوسائل، لتنفيذ ذلك الحكم أو تلك القاعدة الشرعية التي نص عليها المصادر الشرعية.


فالشورى مثلاً حق للمسلمين على ولاة أمورهم، وتعتبر حكمًا تشريعيًّا مستنبطًا من الكتاب؛ لقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى: 38] [16].


ولكن تنفيذ الشورى قد يكون في مجلس عام للشورى أو يتم بعقد دورتين لمجلس الشورى في العام الواحد، أو يجمع الناس في مجمع عام أو غيرها، فذلك يعد من الأمور الإجرائية المتروكة لظروف العصر والبيئة، كذلك فإن جلد الزاني غير المحصن مائة جلدة، يعد أمرًا وحكمًا تشريعيًّا، ولكن جلده بالنعال أو السوط أو العصا، يعتبر من الأمور والأحكام الإجرائية وهكذا؛ ولذا نعرف القانون الإجرائي بأنه "القانون الذي يتعلق بأساليب ووسائل وأدوات تنفيذ الحكم الشرعي".


أما الدليل على أن ما كان نوعه إجرائيًّا أو دنيويًّا محضًا، فإنه متروك لولي الأمر أو للفرد المسلم؛ لكي يختار الأنسب والأصلح فيه بغض النظر عن مصدره، مع اشتراط عدم مخالفته للشرع، فثابت بالسنة النبوية؛ عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع صوتًا، فقال: «ما هذا الصوت؟» قالوا: النخل يأبرونه، قال: «لو لم يفعلوا لصلح»، فلم يأبروا عامئذ. فصار شيصًا، فذكروا للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إن كان شيئًا من أمر دنياكم، فشأنكم به، وإن كان شيئًا من أمر دينكم، فإليّ»[17].


والأمثلة على ذلك عديدة في السنة وسيرة الخلفاء الراشدين، فقد أخذ - عليه السلام - برأي سلمان الفارسي - رضي الله عنه - في حفر الخندق كسياسة دفاعية عند محاصرة الأحزاب للمدينة، تنفيذًا للحكم بدفع العدو منعه من دخول دار الإسلام[18].


وثبت أن عمر بن الخطاب سنَّ قانون الديوان لتنظيم العطاء في جمع من الصحابة، وقد أخذ ذلك من الرومان[19].


كما أكد عدد من الفقهاء جواز سن القوانين الإجرائية والاقتداء بها بما يحقق المصلحة، وقد عبروا عن هذا النوع من القوانين الإجرائية، بما يعرف لدى علماء أصول الفقه "بالمصالح المرسلة"؛ أي: المصلحة التي "لم يدل دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها" [20].


كما أطلق البعض عليها اسم الاستصلاح، وضربوا من أمثلتها اتخاذ السجون، أو ضرب النقود وقالوا: "إن المصالح التي اقتضت البيئات والطوارئ"، بعد انقطاع الوحي، لم يشرع الشارع أحكاما لتحقيقها، ولم يقم دليل منه على اعتبارها أو إلغائها، فهذه تسمى المصلحة المرسلة "[21].


ومن الواضح من هذه التعرف أن المصلحة المرسلة لا تكون إلا في الأمور الدنيوية المحضة، أو في الأساليب والوسائل والإجراءات التي تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة؛ لأنه في غير هذه الأحوال، نجد أن الشارع قد راعى المصالح الحقيقية للبشر وبيَّن أحكامًا شرعية ثابتة لها.


ويلاحظ من تتبع أقوال الفقهاء في هذه المسألة، أن البعض لم يلاحظ اندراج حكم الوسيلة أو الأسلوب، والذي أطلق عليه اسم - المصلحة المرسلة - تحت الحكم الشرعي للفعل الذي ورد الدليل بشأنه، واعتبر أن المصلحة في ذاتها هي الدليل على شرعية الأسلوب والوسيلة؛ حيث عرف حجة الإسلام الإمام الغزالي - رحمه الله - المصلحة المرسلة بأنها "كل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودًا بالكتاب والسنة والإجماع [22]"، كما عرف الإمام الرازي المصلحة المرسلة بأنها كل "ما لم يشهد له بالاعتبار ولا بالإبطال نص معين "[23].


وأكد بأنه "إذا قطعنا بأن المصلحة الغالبة على المفسدة معتبرة قطعًا عند الشرع، ثم غلب على ظننا أن هذا الحكم مصلحته غالبة على مفسدته: تولد من هاتين المقدمتين ظن أن هذه المصلحة معتبرة شرعًا، والعمل بالظن واجب"[24].


ونحن لا نرى اعتبار المصلحة دليلاً شرعيًّا مستقلاًّ؛ حيث إن المصلحة لا تعد دليلاً شرعيًّا، نظرًا لأن الدليل الشرعي هو ما ورد في مصادر الشرع، ومجرد وجود المصلحة، هو أمر عقلي وليس شرعيًّا راجعًا إلى مصادر الشريعة، والدليل على شرعية الأسلوب أو الوسيلة، أو القانون الإجرائي، إنما يمكن في الحقيقة في اندراجها تحت حكم الفعل الأصلي الذي أثبتته الأدلة الشرعية.


وقد أكد بعض الفقهاء - كابن عقيل الحنبلي - أنه ليس شرطًا أن تكون القوانين الإجرائية قد ورد بها نص في المصادر الشرعية؛ حيث يرد على من ادعى أن كل سياسة ينبغي أن ينص عليها الشرع بقوله: "إن أردت: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع، فغلط، وتغليط للصحابة "[25]، كما يرد ابن القيم على هؤلاء بأنهم:

• ضيعوا الحقوق وجرؤا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدوا على أنفسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له وعطلوها[26].


• من ذلك يتبين جواز سن قوانين إجرائية تبين الأساليب والوسائل والأدوات التي يتم بها تنفيذ الحكم الشرعي، فتنظيم السير في الطرقات أو تنظيم الشؤون الصحية مثلاً، يندرج تحت حكم رعاية الشؤون، والتي جعل الشرع تنظيمها للإمام بقوله - عليه الصلاة والسلام - "فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته"[27]؛ ولذلك يحق للإمام أن يسن قانونًا إجرائيًّا يحدد أسلوب المرور في الطرقات، وأن يحدد في ذلك القانون الأساليب والوسائل اللازمة لذلك؛ نحو: الإشارات الضوئية وعلامات المرور والأنظمة المرورية التي ينبغي اتباعها؛ مثل: أن يسن قانونًا إجرائيًّا للوقاية والرعاية الصحية، ينظم به شؤون المراكز والمستشفيات والمصحات وهكذا، وكذلك فإن الجهاد والدفاع عن كيان الدولة حكم شرعي واجب على كل مسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 41] [28].

وللإمام بصدد تنفيذ حكم الجهاد، أن يسن قوانين إجرائية للتدريب على الجندية والتمرن على أساليب القتال، ولتنظيم قطاعات الجيش المختلفة، وتقسيمها بين قوات برية وجوية ونحوها.


على أنه ينبغي التأكيد أن القوانين الإجرائية والأساليب والوسائل التي يتحقق بها الحكم الشرعي، لا يجوز بحال أن تعارض أو تخالف أحكامًا شرعية أخرى؛ لأن مخالفة الإسلام لا تجوز للدولة، فالغاية لا تبرر الوسيلة في الإسلام، والقاعدة الشرعية أن "مآلات الأفعال معتبرة شرعًا"[29]، فكل ما يؤدي إلى حرام، فهو حرام؛ ولذلك يشترط في القوانين الإجرائية عدم مخالفتها للشريعة.

وبسبب اختلاف مصدر الأحكام التشريعية عن الأحكام الإجرائية، نجد أن الصحابة - رضي الله عنهم - عند الإشكال في كون الحكم تشريعيًّا أو إجرائيًّا يعمدون إلى سؤاله - عليه الصلاة والسلام - عن ذلك، ففي غزوة بدر سأل الحباب بن المنذر بن الجموح الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند نزوله بماء بدر، فقال: "يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل منزلاً أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، وعندما تبين لهذا الصحابي عدم كونه تشريعيًّا؛ أي: ليس من الوحي، أشار على الرسول - عليه الصلاة والسلام - بغير ذلك المنزل، وعمل - عليه الصلاة والسلام - بمشورته[30].


ولهذا فإنه عند سن القوانين والقواعد والأحكام في الدولة، ينظر في مواد تلك القوانين أو القواعد، فإن كانت مما يدخل تحت المجال التشريعي، فيجب على الدولة استنباطها من مصادر الشريعة وبيان الأدلة الشرعية عليها.

وأما إن كان مما يدخل تحت القوانين الإجرائية، ويعد أسلوبًا أو وسيلة لتنفيذ الحكم الشرعي، مثل اللوائح المرورية، أو قوانين تنظيم الشؤون الصحية، أو شؤون الإدارة الحكومية ونحو ذلك، فإنه يمكن أخذها بحسب الأصلح والأنسب من أي مصدر؛ شريطة ألا يؤدي ذلك إلى مناقضة الشريعة، لكون الشريعة حاكمة على ما عداها ومخالفتها لا تجوز مطلقًا للأدلة المبينة فيما سبق. وكذلك لو نصت الشريعة على أسلوب معين لأداء الحكم الشرعي، فيجب حينئذ التقيد به وعدم المخالفة، فمثلاً: نصت الشريعة على قتل الزاني المحصن بالرجم بالحجارة؛ ولذا لا يجوز قتله بالرصاص أو السيف، ونصت على كيفية معينة لأداء الصلوات، فلا يجوز القيام بالصلاة بخلاف تلك الكيفية، وهكذا.


وخلاصة القول:

إن الأحكام والقوانين في الدولة الإسلامية على ضربين تشريعية أو إجرائية، فما كان منها تشريعيًّا، فيجب أن يكون مستنبطًا من مصادر الشريعة الإسلامية، ولا يجوز مطلقًا أخذه من غيره، وما كان منها إجرائيًّا، فيشترط عدم مخالفته للشريعة، أو حكم من أحكامها عند عدم وجود نص على الحكم الإجرائي.


[1] بكر بن عبدالله أبو زيد، فقه النوازل، المجلد الأول، الرياض، مكتبة الرشيد، 1407، ص 185.

[2] أندريه هوريو، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 482.

[3] د. محمود حلمي، موجز مبادئ القانون الإداري، القاهرة، دار الاتحاد العربي للطباعة، 1977، ص 5.

[4] أندريه هوريو، الجزء الثاني، ص 468.

[5] راجع الرازي، المحصول، الجزء الأول، مرجع سابق، ص 107.

[6] سورة النحل آية 89.

[7] سورة الانعام آية 38.

[8] سورة المائدة آية 3.

[9] تفسير ابن كثير، اختصار وتحقيق محمد علي الصابوني، الجزء الثاني، بيروت، دار القرآن الكريم، 1403هـ - 1981م، ص 343.

[10] سورة النساء آية 60.

[11] سورة الاحزاب آية 36.

[12] سورة النساء آية 61.

[13] سورة النساء آية 83.

[14] سورة النور آية 63.

[15] رواه البخاري ومسلم، جامع الأصول، الجزء الأول، مرجع سابق، ص 201.

[16] سورة الشورى آية 38.

[17] سنن ابن ماجه، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، الجزء الثاني، الرياض، شركة الطباعة المحدودة، 1403 - 1983، حديث رقم 2496، ص 68.

[18] ابن هشام، السيرة النبوية، الجزء الثالث والرابع، بيروت، مؤسسة علوم القرآن، (بدون تاريخ نشر)، ص 216.

[19] محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري، الجزء الثاني، بيروت، دار الكتب العلمية، 1407 - 1987، ص 570.

[20] عبدالوهاب خلاف، علم أصول الفقه، الكويت، دار القلم، 1397 - 1977، ص 84.

[21] المرجع السابق، ص 85.

[22] المستصفى من علم الأصول، الجزء الأول، القاهرة، المطبعة الأميرية بولاق، 1322، ص 310 - 311.

[23] المحصول، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 220.

[24] المرجع السابق، ص 204.

[25] نقلا عن شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، بيروت، دار الكتب العلمية، (بدون تاريخ نشر)، ص 13.

[26] المرجع السابق، ص 13.

[27] رواه البخاري، جامع الأصول، الجزء الرابع، ص 444.

[28] سورة التوبة آية 41.

[29] الشاطبي، الموافقات، الجزء الرابع، مرجع سابق، ص 1904.

[30] ابن هشام، السيرة النبوية، الجزء الأول والثاني، مرجع سابق، ص 620.


عن الكاتب

رشدي عبد الغني

اذا أعجبك الموضوع فلماذا تبخل علينا بالردود المشجعة

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

قانون العرب