شبكة القانونيين العرب شبكة القانونيين العرب
random

احدث المواضيع

random
جاري التحميل ...

منع السفر والدعاوى المصرفية - القانون السوري

 منع السفر والدعاوى المصرفية - القانون السوري

في منع السفر والدعاوى المصرفية


بقلم المستشار /  حسين أحمد

مقدمة : 

الأصل أن حرية الإنسان , هي أغلى ما في الوجود لديه , وقد ولى الزمن الذي كان الإنسان , يضمن ما عليه من دين بشخصه , وغدا كل ما للإنسان من مال , ضامناَ للديون التي عليه. 

وقد ضمنت شرعة حقوق الإنسان , للإنسان هذا المبدأ , كما هي ضمنت له حرية التنقل والحركة , دونما أي قيد مهما كان بسيطاَ , أو مهما كان أساسه , وكل نص يجيز ذلك هو نص مخالف لهذه الشرعة العالمية , التي رسخت في وجدان الجماعة البشرية. 

وفي سورية وطننا الحبيب , تتالت دساتير الجمهورية العربية السورية , منذ عهد الاستقلال وحتى الآن , على ضمان وحماية هذه الحق فكل من دستور عام ( 1950 ) ودستور عام ( 1973 ) والدستور الحالي , كل هذه الدساتير تضمنت مادة نصها متطابق أو يكاد , تشير إلى هذا الحق , وفي الدستور الحالي والصادر في عام ( 2012 ) هذا النص ورد في الفقرة الثالثة من المادة ( 38 ) منه على الشكل التالي : 

[ ...... لكل مواطن الحق بالتنقل في أراضي الدولة أو مغادرتها إلا إذا منع من ذلك بقرار من القضاء المختص أو من النيابة العامة أو تنفيذا لقوانين الصحة والسلامة العامة.] إلا أنه ولسوء الحظ , خلال الأزمة التي يمرّ بها القطر الحبيب , ولاعتبارات اقتصادية معينة , صدرت تشريعات متعددة , مست أو كادت أن تمس بحسن تطبيق هذا المبدأ. 

من ذلك أن القانون رقم ( 21 ) لعام 2014 والمعروف بقانون المحاكم المصرفية , الذي أجاز للمحكمة المضرفية أن تقرر منع السفر بشروط وفي حالات معينة , ونحن إذ كنا ها هنا سنناقش هذا الأمر , فإننا سنناقشه من وجهة نظر قانونية لا دستورية. 


معلوم أن المعول عليه في تحريك عجلة النشاط الاقتصادي , إنما هو نشاط الشخص , سواء أكان هذا الشخص طبيعياَ أم اعتبارياَ , وبالتالي هذا الشخص قد يحتاج إلى من يقف إلى جانبه في هذا النشاط , من هنا كان للمصارف والبنوك دور المساعد في هذا النشاط , وليس لها أي دور أساسي , بالرغم من أهمية هذا الدور في كثير من الحالات. 


والأزمة التي مرّ ويمر بها القطر , هددت النشاط الاقتصادي فيه , بل هو وصل إلى حد التوقف في بعض المجالات أو المناطق , هذا الأمر انعكس سلباَ على النشاط الاقتصادي , وبالتالي سبب الخلل في الالتزامات والواجبات والحقوق , وخصوصاَ المالية منها. 


وكما معلوم هناك الكثير من متعاطي النشاط الاقتصادي أو التجاري , ممن كانوا والى وقت قريب من بداية الأزمة ، ممن استلفوا أو استدانوا من المصارف والبنوك الخاصة , أو عقدوا معها عقوداَ لتقديم تسهيلات أو سواها من خدمات مصرفية , والظرف الاقتصادي الذي حل بالبلد أثر كبير التأثير على الحالة الاقتصادية لهؤلاء المتعاملين مع البنوك والمصارف , خاصة كانت أم عامة , وهذا بدوره أخل بالتزامات هؤلاء وأوقعهم في العسرة ,


فقصروا أو توقفوا عن سداد هذه الالتزامات , مما دفع بهذه المصارف أو البنوك إلى ملاحقة هؤلاء بمعاملات نزع الملكية الجبري , أو دعاوى لتحصيل الحقوق المالية , ومراعاة لهذه الحالة , المعتبرة من الناحية القانونية كظرف استثنائي , هو يطلق يد القضاء , ويمنحه الصلاحية الكاملة , في إعادة التوازن للعقد , ويمنحه الحق في التدخل , مراعاة لهذا الظرف. 


من هنا وأيضاَ مراعاة لهذا الظرف , تداعى المشرع مشكوراَ , فاصدر قوانين إعادة الجدولة , وذلك فيما يخص البنوك العامة , كما تداعت السلطة التنفيذية , فوجهت بمراعاة الظرف , وعدم مباشرة إجراءات التحصيل بحق المدينين المتعثرين. 


إلا أن ما يقلق هو ما حصل فيما يخص البنوك والمصارف الخاصة , فبداية صدر القانون رقم ( 19 ) لعام 2014 وهو قانون خاص بالمصارف والبنوك الخاصة , وهو عدل في أصول بيع الأموال المحجوزة لتحصيل ديون هذه المصارف , وهو اختصر كثيراَ من الإجراءات , المنصوص عليها في القانون العام , والخاص بمثل هذه الحالات وهو قانون أصول المحاكمات المدنية , ولاحقاَ وفي نفس الخصوص صدر القانون رقم ( 21 ) لعام 2014 وهو القانون الذي أجاز منع السفر. 


ولكن ولكون المعول عليه في مجال تدوير عجلة النشاط الاقتصادي , هو الشخص الطبيعي أو الاعتباري , كما ذكرنا أعلاه , كان من البديهي أن يقف المشرع إلى جانب هذا الشخص , لا إلى جانب المصرف , إلا أن المشرع وفي سبيل المحافظة على وجود المصارف والبنوك الخاصة , في السوق المحلية , هو ضحى بالأصل , وحاول المحافظة على الفرع , مما زاد الوضع الاقتصادي سوءاّ , وخصوصاَ ما سببه إصداره للقانونين المذكورين ، وعن ذلك رمكن أن نقول التالي :


الموضوع :


في الأصل أن العلاقة بين الطرفين المصرف والعميل , محكومة بموجب عقد قرض أو تسهيلات مصرفية أو سواهما من تعاملات مالية , والمصارف في هذه الحالة , عامة كانت أم خاصة , تحاول وقبل توقيع أي عقد , مع أي عميل أن تضمن ما يؤمن لها تحصيل دينها , فهي تطلب ضمانات عقارية , أو كفالات شخصية أو سواهما من وسائل قانونية , وقبل التوقيع على أي عقد , هي تبادر إلى وضع إشارات رهن أو تامين من الدرجة الأولى على الأموال العقارية المقدمة من العميل أو الكفيل , بحيث تكون لها الأولية في التنفيذ , في حالة تقصير العميل في السداد. 


وعليه أي عقد مصرفي مهما كان , هو معقود بضمانات عقارية , تضمن الدين ولواحقه , وهذه الضمانات تكفل للمصرف الأولوية والتتبع , لتحصيل الدين , عن طريق بيع هذا العقار جبراَ , في يد أي شخص كان , كما هو منصوص عليه في القانون المدني , وفي قانون أصول المحاكمات المدنية. 


وبالتالي من الناحية القانونية والعملية , أي ضمانة إضافية , لا قيمة لها مادامت غاية المصرف , هي غاية مشروعة ألا وهي تحصيل دينه , عن طريق بيع هذا العقار أو ذاك. 


من هنا كان تدبير منع السفر تزيد لا فائدة منه , وهو من قبيل لزوم ما لا يلزم , وهو جاء مخالفاَ للدستور , ولتقيد حرية الفرد , وخدمة بلا ثمن للمصارف , وهو زاد الوضع الاقتصادي سوء , وفوق ذلك هو أحدث ردة فعل سلبية لدى الكثيرين , من العملاء المتعثرين , بسبب الوضع الاقتصادي في القطر , فما هي مصلحة أي مصرف في أن يمنع سفر أي عميل له , إذا كان دينه مضموناَ بضمانات عقارية !!!!!!!! 


ورب قائل يقول , إن كثيراَ من العقارات الضامنة لديون المصارف , تقع في مناطق غير آمنة , ولا يستطيع هذا المصرف أو أي دائرة رسمية مهما كانت , الوصول إليها , لبيعها جبراَ , وتمكين المصرف من تحصيل حقوقه. 


هنا نقول ما فائدة وجود نظرية الظروف الاستثنائية , المنصوص عليها في القانون المدني , إذا هي لم تُطبق في مثل هذه الحالة التي يمر بها القطر , أم أن هذه البنوك تريد أن تربح فقط , والقاعدة تقول أن الغرم بالغنم , فهذه البنوك هي شركات تجارية , استفادت اقتصادياَ من نشاطها في القطر, وبالتالي من العدل والمنطق أن تتحمل جزء من أعباء هذه المرحلة , والمشرع من واجبه أن يقف مع الصناعي أو التاجر الذي هو المعول عليه في تدوير عجلة النشاط الاقتصادي , لا أن يقف مشهراَ سيفه , إلى جانب المصارف , التي هي معتبرة من الوسائل المساعدة لهذا النشاط !!!! 


وما زاد الطين بله , هو التطبيق العملي للنص الذي أجاز منع السفر , فنحن وبالرجوع إلى نص المادة الثالثة من القانون رقم ( 21 ) لعام 2014 نجده ورد كالتالي : 



  1. للمحكمة الناظرة في الدعوى اتخاذجميع الإجراءات والتدابير المستعجلة بما فيها منع السفر و ذلك بقرار يتخذ في غرفة المذاكرة قبل دعوة الأطراف و بعد دعوتهم.
  2. للمحكمة الحق في الرجوع عن إجراءاتها و تدابيرها و قراراتها المستعجلة بناء على طلب المتضرر في أي مرحلة من مراحل الدعوى.
  3.  تخضع ما تتخذه محكمة البداية المصرفية من إجراءات و تدابير و قرارات بناء على الفقرتين السابقتين إلى الطعن أمام محكمة الاستئناف المصرفية. وعن ذلك نقول التالي : 

القانون رقم ( 21 ) لعام 2014 من حيث المبدأ أجاز للمحكمة المصرفية منع سفر المتعاملين مع المصارف , أو أن تتخذ ما تراه مناسباَ من تدابير وإجراءات مستعجلة , وذلك في معرض الدعاوى التي يقيمها المصرف بمواجهة العميل , وهذا القانون من وجهة نظر قانونية أصولية قال , بأنه للمحكمة ( الناظرة في الدعوى ) أن تُقرر منع السفر أو سواه من تدابير مستعجلة وهذا يعني أن هذه الصلاحية :


لا تكون إلا في معرض دعوى أساس , يقيمها المصرف لتحصيل حقوقه , بدليل أن المشرع , استخدم عبارة ( للمحكمة الناظرة في الدعوى ). 


وبدليل أن المشرع أجاز اتخاذ مثل هذه التدابير , قبل أو بعد دعوى أطراف الدعوى , ومعلوم من الناحية القانونية أن المشرع , لو كان يقصد بذلك , التدابير المستعجلة حقيقة , لما قال بجواز تقرير ذلك قبل أو بعد دعوة الأطراف , ذلك أن التدابير المستعجلة , من الناحية القانونية , ومراعاة لطبيعتها , هي تصدر قبل أي تبليغ أو دعوة للمطلوب اتخاذ الإجراء بمواجهته , خشية علمه بالإجراء , وبالتالي التهرب منه كالحجز الاحتياطي مثلاَ. وللتدليل على هذا الرأي وهذا النهج مرة ثالثة , المشرع ولاحقاَ وفي نفس المادة , ولكن في الفقرة الثانية منها , هو أجاز للمحكمة المصرفية , الرجوع عن هذه التدابير , في أي مرحلة من مراحل الدعوى , ولو كانت غاية المشرع من هذا النص , جواز تقرير منع السفر أو سواه من تدابير , بطلب مستعجل في دعوى مستعجلة , دونما أن تكون هذه الطلبات في معرض دعوى في الأساس , لما أجاز الرجوع عن مثل هذه التدابير في أي مرحلة من مراحل الدعوى , ذلك أن الطلب المستعجل أو الدعوى المستعجلة , تنقضي بمجرد الاستجابة لهذا الطلب , كالحجز الاحتياطي مثلاَ. 


وما يدلل على اتجاه إرادة المشرع إلى عدم جواز طلب منع السفر أو سواه من تدابير مستعجلة , في الدعاوى المصرفية , بشكل منفرد , ودونما دعوى أساس , هو أن هذا المشرع لم ينص على طرق للاعتراض أو للطعن , بشكل مستقل بالقرار الصادرة بخصوص هذه التدابير , كما فعل في موضوع الحجز الاحتياطي , وإنما هو نص على جواز ذلك في معرض نفس الدعوى , وفي أية مرحلة من مراحلها. 

أخيراَ كل هذه العبارات تدل دلالة واضحة على أن الصلاحية هذه لا تكون إلا في معرض دعوى أساس ، فضلاَ من أن هذا التشريع من الناحية القانونية , هو تشريع خاص واستثنائي , وهو جاء على خلاف المبدأ العام , المنصوص عليه في قانون أصول المحاكمات المدنية , وبالتالي من وجهة قانونية أصولية , لا يجوز التوسع في تفسيره أو القياس عليه. 

الخلاصة :

ما يحصل على أرض الواقع , من تطبيق للقانون رقم ( 21 ) لعام 2014 هو أن تدبير منع السفر أو سواه من تدابير مستعجلة , بات وباتت غاية وهدف بحد ذاتهما , فبمجرد صدور هذا التشريع , المصارف العامة والخاصة وبالرغم من أنها تملك عقوداَ مع العملاء , معتبرة من الاسناد الرسمية , وفق ما نص القانون رقم ( 19 ) لعام 2014 وهي كانت قد طرحتها للتنفيذ , وإن لم تكن قد فعلت ذلك , فالقانون ضامن لها هذا الحق , هي بالرغم من كل هذا لجأت إلى رفع دعاوى مستعجلة , غايتها فقط الحصول على قرار بمنع السفر , وهذا مخالف لغاية المشرع ويفرغ النص من مضمونه , ويجعله سيفاَ مسلطاَ على رقاب الصناعيين والتجار.

  
فما الغاية من منع السفر وسواه من تدابير , إذا كانت هذه المصارف قد طرحت هذه العقود للتحصيل عن طريق دوائر التنفيذ , فضلاَ من أن هذه الديون بالأصل , هي مضمونة بضمانات عقارية كالرهن والتأمين وسواهما , لا بل إنه حدث أن أحد مدراء المصارف العامة في حلب , حضر إلى المحكمة المصرفية بحلب , مسلحاَ بجدول من عدة صفحات , وطلب بالاستناد إليه , وبطريق إدارية منع سفر كل من ورد اسمه في هذا الجدول ، دونما أي إدعاء أو طلب , وفق ما رسم القانون !!!!!! 


في ضوء ما سلف , ديون جميع المصارف , هي ديون مضمونة , وبضمانات وافرة , وتكفي لوفاء الدين وقد تزيد ومن الناحية القانونية , هي توفر الحماية لهذا الدين. ومعلوم أن الوضع الاقتصادي في البلد سيء , ويكاد أن يكون في أزمة , بل هو فعلاَ في أزمة حقيقة , أدت إلى توقف الصناعة والتجارة في كثير من المجالات , وفي كثير من المناطق , ومن يعمل في هذا المجال , بحاجة لمن يقف معه في مثل هذا الظرف الاستثنائي , لا من يقف بجاتب من يواجهه , شاهراَ سيفه , بالرغم من الضمانات الكافية , والتي هي في جعبته أصلاَ , طالباَ تجريده من منشأته أو بيته , هذه المنشأة المعول عليها في عملية إعادة الإعمار وإعادة الدوران إلى عجلة الاقتصادي في القطر.

عن الكاتب

رشدي عبد الغني رشدي عبد الغني شبكة قانونية عربية تسعى الى نشر الثقافة القانونية بين الاوساط القانونية والمهتمة بالمجال القانوني
يمكنك زيارة موقع الشبكة عبر الرابط التالي: http://www.law-arab.com/
كما يمكنكم زيارة موقع المكتبة القانونية عبر الوصلة : http://legallibrarybooksresearch.law-arab.com/
نتمنى لكم يوم موفق..

اذا أعجبك الموضوع فلماذا تبخل علينا بالردود المشجعة

التعليقات

ابدأ الآن مجاناً مع برنامج المحامي الذكي تفضل بالدخول من هنا



جميع الحقوق محفوظة

شبكة القانونيين العرب

2016