قانون العرب قانون العرب
.
random

آخر المواضيع

random
جاري التحميل ...

جمهورية مصر العربية في القانون الدولي العام. بقلم أ.د. حكمت شبر. (ج: 1)

جمهورية مصر العربية في القانون الدولي العام


جمهورية مصر العربية في القانون الدولي العام
جمهورية مصر العربية في القانون الدولي العام

بقلم أ.د. حكمت شبر
مصر أم الدنيا ، هكذا يفكر ويقول أبناء الشعب المصري ، وأعتقد أن هذه المبالغة لا تخلومن الحقيقة ، فمصر تتقدم الدول العربية وشعوبها في مجالات كثيرة في الفنون والآداب والعلوم ، فيها أكبر مركز أسلامي معتدل (الأزهر الشريف) فلا غرو أن يرى المصريون ومن خلفهم العرب مكانة مصر ويبجلوها .

قيل أن تقدم مصر في مجال قيادة حركة التحرر العربية في فترة الخمسينات ، خضعت مصر إلى جميع أشكال الأستعمار المباشر والحماية وإلى ربطها بعد نيلها الأستقلال بمعاهدة كبلت سيادتها حتى عام 1954 عام أنسحاب القوات البريطانية (1)

1- تم عقد المعاهدة في 26آب 19366، والتي أنهت أنتداب أنكَلترة على مصر . إلا أن المعاهدة المذكورة لاتختلف نصاً وروحاً عن سابقتها ، المعاهدة البريطانية العراقية لعام 1930. فقد لجأت بريطانيا إلى عقد هذه المعاهدات مع الدول التي كانت تحت أنتدابها لتغلف نفوذها المستمر وأحتلالها لأراضي العراق ، الأردن ومصر . فهذه المعاهدات تتطابق من حيث الجوهر والشروط والأحتلال لأراضي البلدان التي أستعمرتها بريطانيا .جاءت المادة السابعة من المعاهدة تشبه المادة الرابعة من أتفاقية عام 19300 البريطانية العراقية . فقد جاء في نص تلك المادة مايلي: في حالة تعرض أي من البلدين لخطر الحرب الوشيك أو دخوله في الحرب مع طرف ثالث ، يتوجب على حكومة العراق أن تمنح الحكومة البريطانية جميع التسهيلات اللازمة والمساعدات التي تملكها وبضمنها وضع سكك الحديد والأنهار والموانئ والمطارات وجميع وسائل الأتصالات تحت سيطرة الجيش البريطاني ، وبمعنى السماح لبريطانيا بأحتلال البلد مجدداً .

منحت المادة الثامنة من تلك المعاهدة جزءاً كبيراً من الأراضي المصرية الواقعةعلى شواطئ قناة السويس لأقامة قواعد عسكرية فيها ، مثبتة بذلك الوجود والأحتلال العسكري البريطاني الدائم في مصر . وهي لا تختلف في فحواها عن نص المادة الخامسة من الأتفاقية البريطانية العراقية (1)
أما المادة التاسعة من هذه الأتفاقية فهي شبيهة بنص الفقرة الثانية من ملحق الأتفاقية البريطانية العراقية ، التي منحت أعضاء القوات البريطانية امتيازات وحصانات تعفيهم من الخضوع للقوانين الوطنية .
بالرغم من الخسارة التي أصابت حركة التحرير العربية نتيجة للمؤامرة الكبرى على فلسطين وضلوع الأنظمة العربية في تلك المؤامرة ، وما حلّ بحركات التحرير العربية بقيت صامدة ويعمل قادتها في الخفاء منتهزين الفرص والأحداث للأطاحة بالأنظمة العميلة .
كانت مصر أول دولة نهضت بعد مؤامرة 1948 ، التي أدت إلى أنتزاع فلسطين من قبل الصهاينة . وقد كانت الجماهير المصرية تغلي في نضالها ضد الحاكمين ، خصوصاً بعد أن قام النظام الملكي المتعاون مع الأنجليز بحرق القاهرة ، فتجمعت نذر الثورة . وحين حلّ يوم (23تموز 1952) تحرك الجيش المصري بقيادة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
11- كرست المادة الخامسة من الأتفاقية البريطانية العراقية أقتطاع أجزاء من الأراضي العراقية لأقامة قواعد عسكرية بريطانيا في كل من الحبانية والشعيبة . جاء هذه المادة ما يلي :
من أجل تنفيذ هذه الاتفاقية يتعهد ملك العراق ان يمنح ملك بريطانيا لأجل أدامة التعاون قاعدة البصرة وأخرى غرب الفرات في منطفة الحبانية .

جمال عبد الناصر وأطاح بالنظام الملكي .
استمرت نهضة الحركة التحررية الوطنية في مصر بقيادة عبد الناصر بالرغم من ضغوط العساكر على حركة الجماهير ، وعدم السماح للأحزاب بالعمل العلني لكن ذلك لم يمنع عبد الناصر في الداخل والخارج بالمطالبة بتحرير مصر من المعاهدة البريطانية وأخراج الجيوش الأنجليزية من مصر .
كما وقام نظام الضباط الأحرار بأصلاحات كثيرة كان في مقدمتها قانون الأصلاح الزراعي الذي حرر الفلاحين من ربقة نظام الأقطاع ومما زاد ألتفاف الجماهير المصرية والعربية حول قيادة عبد الناصر ، الأحداث الدرامية التي أنتهجتها القيادة المصرية . وقد كان في مقدمة تلك الأحداث ، التي هزت المنطقة العربية ، توجه عبد الناصر التحرري واجتماعه في (باندونغ) مع القادة الوطنيين والمعادين للأستعمار (نهرو، سوكارنو ، تيتو) حيث شهدت أجتماعات هؤلاء القادة بزوغ عهد جديد ونشوء حركة عدم الأنحيازالمسماة الحياد الأيجابي التي لعبت دوراً هاماً في التأثير على حركات التحرر في الدول المستعمرة وفي العالم العربي .
أستمرت حركات التحرر العربية في النهوض ومقارعة الأستعمار حتى وصولها إلى مرحلة الأستقلال الوطني في الأعوام الخمسينية من القرن العشرين .
كما وحصل تطور هام في حركة التحرر الجزائرية حيث أعلنت الثورة ضد الأستعمار عام 1954 وأستمرت ثمان سنوات توجّت بأتفاقية (ايفيان) 1960 ، التي أعلنت أستقلال الجزائر .
كما ان حركة التحرير العربية في الخليج كانت على أشدها خصوصاً في عمان وعدن حتى مرحلة الأستقلال السياسي .
كان الضباط الأحرار في مصر ينتمون إلى طبقة البرجوازية الصغيرة ومشبعين بأفكار تنم عن عقلية وتوجه ضيق الأفق . وكان عبد الناصر الشخصية البارزة بينهم والأكثر تنوراً وأطلاعاً وأفقاً واسعاً لذلك فأنهم لم يسمحوا للأحزاب الوطنية ، اليسارية والديمقراطية بالعمل الحزبي ، بل أحتكروا العمل السياسي بمفردهم ، وتم أحتكار الحكم لفترة طويلة حتى الوقت الحاضر بعد نجاح حركة الضابط عبد الفتاح السيسي .
وبالرغم من وقوف الضباط الأحرار أمام تقدم الحركة التحررية الديمقراطية التي تقودها الأحزاب الوطنية ، إلا أن ما قام به عبد الناصر من أعمال وطنية وقومية كبيرة داخل مصر وفي البلاد العربية تستحق الوقوف أمامها بأجلال وأحترام ، بالرغم مما أعقبها من تردي وتراجع في نطاق النظامين القطري والقومي .
أبتدأ عبد الناصر عهده بتحرير بلاده من ربقة الجيوش الأنجليزية بعد مفاوضات طويلة تخللها العمل الفدائي المصري في قناة السويس وتوجه عبد الناصر بعد ذلك عالمياً في حركة عدم الأنحياز المعادية للأستعمار مما جرّ عليه وعلى مصر عداء الولايات المتحدة وحليفاتها من الدول الغربية . وحين طلب الأسلحة من الغرب لم تستجب الدول الغربية لكي لا تضعف صنيعتها أسرائيل .
كان لهذا الموقف الغربي أزاء طلب شراء الأسلحة رد فعل يتسم بالجرأة من جانب الزعيم المصري ، فقد توجه صوب المعسكر الأشتراكي لشراء السلاح . فكان له ما أراد ، ويعتبر ذلك أول ثغرة تفتح أمام العالم الثالث في التعاون مع المعسكر الأشتراكي ، اذ كان هذا الموضوع نقطة حمراء لا يمكن تجاوزها وأغضاب المعسكر الغربي .
من هنا بدأت تتكون ملامح الشخصية الوطنية الجديدة لمصر وبروزها على النظامين العربي والعالمي ، وبدأ عبد الناصر يكسب ود وتاييد الشعب العربي لمواقفه الوطنية الجريئة ، في الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة والدول الغربية تتخذ مواقف عدائية أزاء مصر .
أخذ عبد الناصر خطوات مهمة لبناء بلده أولاً ومن ثم دعم الشعوب العربية المناضلة في سبيل أستقلالها ثانياً . ففي مجال التنمية وضع الرئيس المصري خطة طموحة تتميز بحجمها وأهميتها الأقتصادية والتنموية تمثلت بطلب المساعدة من بنك الأعمار الدولي لبناء السد العالي (1) وقد أبدى البنك موافقة أولية لتمويل المشروع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
11- تقدمت مصر بطلب قرض من بنك الأعمار الدولي لتمويل بناء السد العالي للتحكم في مياه نهر المشروع بمبلغ (200) مليون دولار . كما وافقت بريطانيا على تقديم منحة مقدارها (45,6) مليون دولار ، بعد ان تعهدت مصركما بالتعاون الكامل مع البنك ، وأن البنك يجب أن يقتنع بأن الموارد الأضافية اللازمة للبناء متوفرة بالعملة الأجنبية والمحلية . وان حصة الحكومة في التمويل ستقدم بطريقة يتم فيها تفادي التضخم المالي وقد تضمن ذلك الخطاب شرطين ، عدم تحمل الحكومة المصرية ألتزامات تتعلق بالدين الخارجي تتجاوز المبالغ التي يتم الأتفاق عليها بين مصر والبنك الدولي ، وأن يكون تنظيم مراحل المشروع المتعددة ومراحل تنفيذها وأدارتها طبقاً للتفاهم بين الحكومة والبنك الدولي . كما أن العقود ستتم وفقاً للمناقشة بين الأطراف. كما يجب أن تقبل الحكومة المصرية المقترحات البريطانية والأمريكية بشأن المنحة . وهي مقترحات تقضي بقيام البنك بالأشراف على تطبيق الأتفاق الخاص بالمنحة وموافقة مصر على تخصيص مواردها المالية لأستكمال تنفيذ المشروع وأن لا تدخل الحكومة المصرية بألتزامات أخرى تتجاوز حدود القرض المالي وأن يكون تنفيذ المشروع وتنظيمه بالتفاهم مع البنك وأن تحل مشاكل أقتسام مياه نهر النيل مع الدول المجاورة .
كانت الشروط التي أقترحتها أمريكا وبريطانيا والبنك الدولي تشكل تدخلاً سافراً في سياسة الحكومة المصرية وتحد من سيادة مصر وتتحكم في مستوى الأنفاق وحجم المديونية الخارجية ، ومن ضمن تلك الشروط المخلّة لسيادة مصر تفضيل الشركات المتعددة الجنسية لبناء المشروع على أن يكون من ضمن الشركات الأمريكية والبريطانية .
كانت تلك الشروط تتعارض والسياسة التي أختطها عبد الناصر والمتمثلة فثي تعزيز علاقاته مع دول الأنحياز والكتلة الأشتراكية وخصوصاً بعد أن أشترى السلاح من الأتحاد السوفيتي .

كان لهذه المواقف ردود فعل قوية لدى أمريكا وانكلترة فقد قررتا عدم المضي في تنفيذ المشروع وسحب العرض من قبل البنك الدولي .
فقد أصدرت الحكومة الأمريكية في 19 تموز 1956 بياناً أعلنت فيه أنها لن تتمكن في المشاركة في تمويل السد وتبعتها بأتخاذ خطوة شبيهة أنكلترا والبنك الدولي في رفض القرض .

أنظر . عوني محمد الفخري . التنظيم القانوني للشركات المتعددة الجنسية 
بغداد – 2002 - ص 172- 175


فارضاً عليها شروط تخلّ بسيادتها لكنه سرعان ما تراجع من تقديم القرض ناكلاً بوعوده . مما جعل عبد الناصر يتوجه نحو الأتحاد السوفيتي طالباً المساعدة لبناء السد.
أتخذ عبد الناصر خطوة جبارة أمام رفض الغرب تزويده بالقرض لبناء السد لم تقم بها أية دولة من قبل في تحدي الأستعمار وقواه العاتية وهي عملية تأميم قناة السويس موجهاً ضربة معلم لمصالح الدول الكبرى ، فرنسة وبريطانيا على وجه الخصوص، مما دفع الدولتين للتآمر على مصر .

يضاف إلى هذا الموقف المتفرد والفذ من قبل الزعيم المصري موقفه من ثورة الجزائر وثورتها ضد الأستعمار الفرنسي التي تميزت بتقديم مختلف المساعدات العسكرية والمادية والمعنوية . كان لذلك الموقف ، ما دفع فرنسة للتآمر على مصر.

كان علد الناصر في تلك الفترة يمثل طموحاً وطنياً وقومياً عربياً لنهضة النضال العربي في سبيل الحرية والأستقلال . ألتفّت الجماهير العربية في كل مكان حول زعامة عبد الناصر ، الذي رفعته أعماله الوطنية وأنجازاته التحررية إلى أكبر زعيم عربي عرفته الأمة العربية التي لم تعرف زعيماً من قبل بهذه المكانة .

تفجرت مؤامرة أنكلترة وفرنسة بالتعاون مع أسرائيل بعدوان عسكري سافر ضد الشعب المصري في تشرين 1956 لكن الرأي العام العالمي والأمم المتحدة وقفت ضد هذا العدوان ، وكان للموقف السوفيتي الذي هدد المعتدين بأستخدام الصواريخ ضدهم أثر كبير في وقف العدوان وأنسحاب القوات المعتدية على الأمة المصرية وحكومتها التحررية بقيادة عبد الناصر .

كان العدوان الثلاثي على مصر نقطة تحول في نضال الشعب العراقي فقد نهض الشعب في أنتفاضة هادرة ضد حكومة السعيد المتأمرة مع الدول المعتدية على مصر . فقد خرجت جماهير الشعب العراقي بكافة تياراته القومية والديمقراطية واليسارية بالتحالف مع الكرد ، وأوشكت تلك الأنتفاضة أن تطيح بحكومة نوري السعيد . ولن أنسى مظاهراتنا الحاشدة حين خرجنا طلاب كلية الحقوق بمختلف توجهاتنا الوطنية في مظاهرة جمعتنا مع طلاب دار المعلمين العالية وطلاب كلية التجارة ، حيث بلغت حشودنا بالألآف تنادي بنصرة مصر وعبد الناصر وتهتف بسقوط حكومة نوري السعيد وتوجهنا إلى باب المعظم للألتحاق بطلاب الكليات الأخرى ، لكن شرطة نوري السعيد أستقبلتنا بالرشاشات قبل وصولنا ذلك الهدف ، وسقط شهيدان هما عوادي الصفار الشيوعي المحترف والشهيد الثاني ناجي البعثي وكان أحد طلاب دار المعلمين العالية .

تحالفت تلك القوى في الشارع مخلفة وراءها خلافاتها السياسية والأيديولوجية . وفي خضم تلك المظاهرات تكونت وحدة الأحزاب والتيارات الوطنية عبر التضحيات الكبيرة . وتكونت القناعة لدى التيارات والأحزاب الوطنية بضرورة الجبهة الوطنية لقيادة نضال الشعب العراقي .

وهنا في هذه الأنتفاضة الرائعة كان العراق بكافة أطيافه وتياراته يدعم ويؤيد زعامة عبد الناصر القومية العربية ، تلك الزعامة التي رفعت كرامة وعزة العرب نحو العلا لأول مرة في التأريخ العربي الحديث . فلم تستطع خزعبلات ودعايات الحكم السعيدي أن تثني قناعات العراقيين عن وطنية عبد الناصر وزعامته للأمة العربية . 


كان ذلك قمة الأنتصار الذي حققه عبد الناصر ليس في العراق فحسب ، بل في جميع الأقطار العربية . وكانت تلك الفترة أفضل مجال تحققت خلالها وحدة الشعوب العربية خلف قيادة عربية في مخاض معركة ضد الأستعمار وحلف بغداد . ولكن وهذه اللاكن الكبيرة المدمرة لم تجعل عبد الناصر يتروّى وينظر بعمق وتفكّر في قيادة الجماهير العربية ، فسرعان ما تراجع عن نهج ذلك الطريق الصاعد في دعم الحركات الوطنية ، ليتحول للتآمر عليها . حدث ذلك في مسيرة انعقاد الوحدة العربية مع سورية ، التي جاءت مبتسرة ، أراد من ورائها البعثيون السوريون ومن بمعيتهم من الحركات القومية إيقاف حركة المد اليساري . وسرعان ما انقلبت الأمور في سورية . ذلك الوطن الذي شكل مثالاً يحتذي في وحدة قواه الوطنية والتقدمية . حُلّتْ الأحزاب وطورد قادتها ، وتحولت الوحدة من عزة قومية تُؤكل ثمارها في أزدهار وتطور المجتمع السوري . إلى حكمٍ تسلطّي دكتاتوري فرضه عبد الحكيم عامر . والذي أدّي في خاتمة المطاف ، نتيجة الأخطاء التي أرتكبت في عقد الوحدة ، إلى أنفراطها عام 1961 . 


كانت الجمهورية الجديدة مركزاً للتأمر على العراق ، بعد ان كانت قوة كبيرة ضد حلف بغداد . وتحولت إلى عدو شرس ضد ثورة العراق ، التي أطاحت بأعتى النظم الرجعية في المنطقة وأسقطت حلف بغداد وطردت الجيوش الأنجليزية من العراق ، وفتحت الأفاق رحبة أمام الثوار العرب والفلسطينيون . غير أن مطامع عبد الناصر بالتحالف مع مريديه وأنصاره في العراق من بعثيين وقوميين سرعان ما تحولوا إلى خصوم للجمهورية الجديدة ،فأنسحبوا من الجبهة الوطنية وتبنّوا شعارات مرتجلة تدعوا للوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة .

كما وأن اليسار العراقي بعد تجربة الوحدة مع سورية ، وما تم من أنهاء عمل الأحزاب الديمقراطية واليسارية والتفرد بالحكم وأعلان الحزب الواحد . فقد وقفت الجماهير العراقية بقيادة الحزب الشيوعي موقفاً معارضاً للوحدة العربية .

كان الأستعجال في أعلان شعار الوحدة الفورية سبباً مهماً في تعكير الجو وتدمير وحدة العراقيين . حيث ترتب على ذلك نتائج خطيرة جداً تسببت في أنقسام العراقيين . وكانت قيادة عبد الناصر تشجع هذه العناصر على الأستمرار في الدعوة للوحدة الفورية.
وأخيراً شجع عبد الناصر على قيام حركة عسكرية بقيادة الشواف في الموصل لقلب نظام الحكم ، لكن الحركة فشلت فشلاً ذريعاً لعدم مساندتها من قبل الجيش والشعب العراقي .

سارت القيادة العراقية مدعومة باليسار على طريق معاداة عبد الناصر والجمهورية العربية المتحدة . مما تسبب في تمزيق وحدة الشعب العراقي وأدى في نهاية المطاف بعد سنوات قليلة إلى مجازر كبيرة تعرض لها اليساريون والشيوعيون في حركة أنقلاب شباط 1963 والذي جاء ثمرة لتآمر عبد الناصر والأمريكان والغرب مع حركة وطنية كانت في مقدمة الحركات القومية التحررية وهي حركة البعث بالتعاون مع القوميين التي أطاحت بحكم عبد الكريم قاسم .

مات عبد الناصر عام 1970 وتوقفت بعد موته الحركة الصاعدة للقوميين والوطنيين العرب . حيث قاد أنور السادات حركة مناهضة للتحرر تدعو للتعاون مع الأمريكان وأنهاء الخلاف مع دولة أسرائيل .

سقطت أسطورة عبد الناصر وقوته بعد وفاته مباشرة وسقط معه المشروع القومي . وبرز دعوة السادات الأسلامية الرجعية .
أنتهج السادات منذ توليه الحكم بعد وفاة عبد الناصر سياسة رجعية مؤازرة للتيار الديني وموالية للغرب والولايات المتحدة الأمريكية . فقد أعاد فتح الطريق أمام الأخوان المسلمين بعد ضربهم بقوة من قبل عبد الناصر وأعدام قادتهم وفي مقدمتهم سيد قطب ، الزعيم الأسلامي صاحب فكرة الحاكمية لله ، والذي لعب دوراً هاماً وخطيراً في التوجه الجديد للحركة الأسلامية ودعوته لهم في الأنتفاضة ضد الحاكمين وتكفيرهم ، كان الأخوان قد حُصروا في زاوية ضيقة أيام الزعيم الراحل ولكن السادات فسح لهم المجال لمحاربة الخط التقدمي والتحرري في المجتمع المصري وعلى نطاق العالم وحركة التحرر العربية أستطاع الأخوان أن يسيطروا على النقابات المصرية بدعم من السياسة الجديدة التي أنتهجها السادات ، خصوصاً بعد أن ألقى في السجون مئات القادة الوطنيين واليساريين لوقوفهم في وجه الردّة المصاحبة لرئاسة السادات وقد تنّمر وتوسع الأخوان المسلمون ، وعملوا جاهدين من السيطرة على الحكم ،الذين أستطاعوا من تحقيقه بعد الثورة المصرية ، التي كان لها دوياً داخلياً وخارجياً حيث نجح الثوار في أسقاط الرئيس مبارك وتحويل سياسة مصر السائرة في النهج الغربي إلى سياسة وطنية ، لكن أفتقار الثورة لقادة واحزاب محنكة جعلت الأخوان المنظمين تنظيماً جيداً أن يسيطروا على الحكم وينجحوا في الأنتخابات النيابية الأولى وفي أنتخاب رئيس أخواني إلا أن الجماهير المصرية رفضت سيطرتهم وخرجت تؤيد حركة السيسي ، الذي أنتفض عليهم وأودعهم مع رئيسهم (محمد مرسي) في السجون . وكانت هذه الحسنة الكبيرة التي حصدها المصريون من سيطرة السيسي على الحكم ، نظراً لما قام به الأخوان من تصرفات وأعتداءات على منجزات الشعب المصرية في الفن والعلم والأدب محاولين تحويل الدولة المصرية إلى دولة شبيهة بدولة طالبان .

كان من أول نتائج تلك السياسة التي أختطها السادات داخل مصر والمتمثلة في أطلاق عنان التيار الأسلامي أن قاموا بأغتياله خلال الأستعراض وينطبق عليه المثل الشعبي الذي يقول (يا حافر البير لا تغمج مساحيها خاف الفلك يندار وأنت التكع بيها)

والأتجاه الثاني الخطير الذي تبناه السادات تمثل في سيره على خطى الأمريكان ، وأنتهاجه سياسة معادية لحركات التحرر العربية والعالمية ، ولعل أول عمل قام به وأعتبر عربوناً لأمريكا طرده للخبراء السوفيت الذين بنوا لمصر حائط الصد ضد الطيران الأسرائيلي ، والذي كان عنصراً هاماً في نجاح الجيش المصري عبوره قناة السويس ، وبعد تلك الحرب التي سببت (حرب التحرير) أدعى السادات أن أوراق حلّ الخلافات مع أسرائيل في يد أمريكا بنسبة (99%) فهل يمكن لقائد عسكري أو سياسي أن يسلمّ أوراقه قبل التفاوض مع خصمه اللدود .
هذا هو السادات الذي أخرج مصر مسيرة حركة التحرر العربية وضرب القضية الفلسطينية في الصميم ووقف وقفة عدوٍ لحركة التحرر العربية مشاركاً شاه أيران في ضرب ثورة عمان ووقوفه ضد حركات التحرر الأفريقية بأرساله قطعات من جيشه ضد حركات التحرر المنطلقة في أفريقيا مطبقاً بذلك سياسة الولايات المتحدة الأمريكية . 

وكانت ثمرة تلك السياسة الخاطئة والمدمرة لحركة التحرير العربية (أتفاقية كامب ديفيد) وتنازل السادات عن حقوق مصر والفلسطينين وضربه للقضية الفلسطينية والعربية بالأتفاق مع (بيغن) عام 1979 رئيس وزراء أسرائيل ، وكانت هذه المعاهدة في خطورة معاهدة مصر عام 1936 التي أعادت النفوذ الغربي لمصر وأخلت بسيادتها ، وسوف ألقي نظرة مفصلة على تلك المعاهدة السارية المفعول حتى الوقت الحاضر ، وكان من نتائجها المدمرة أنفراط وحدة العرب وطرد مصر من الجامعة العربية ونقل مقر الجامعة إلى تونس لمدة عشر سنوات ومنذ ذلك الحين والجامعة بعد رحيل عبد الناصر تتعرض بين آونة وآخرى لزوابع رجعية تكاد أن تودي بها ، وأصبحت الآن مرتعاً للمملكة العربية السعودية تفعل ما تشاء في سياسات مخالفة لحركة التحرير العربية وبالعكس متآمرة على الشعوب العربية المناضلة لتوطيد أستقلالها وسيادتها .

شكل الأتفاق المعقود بين (بيكن والسادات) عام 1979 والمستند إلى معاهدة (كامب ديفيد) تجاوزاً على العديد من القضايا الأساسية في حركة التحرر العربية وقضية فلسطين المركزية للنضال العربي ، فبعد وعد بلفور ، وقرار التقسيم ، وقيام دولة أسرائيل ، تم التجاوز على الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني ، حقه في وطنه وفي تقرير مصيره على أرضه وفي السيادة والأستقلال القوميين .
وتم توقيع المعاهدة – كما يدّعون – بالأستناد إلى ميثاق الأمم المتحدة وبشكل خاص على المادة الثانية .

عن الكاتب

رشدي عبد الغني

اذا أعجبك الموضوع فلماذا تبخل علينا بالردود المشجعة

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

قانون العرب