قانون العرب قانون العرب
.
random

آخر المواضيع

random
جاري التحميل ...

خاطرة حول دور الاعلام في بناء قيم المجتمعات د. حيدر ادهم الطائي



خاطرة حول دور الاعلام في بناء قيم المجتمعات
د. حيدر ادهم الطائي



خاطرة حول دور الاعلام في بناء قيم المجتمعات
د. حيدر ادهم الطائي

    لا اعرف اذا كانت هذه الكلمات التي اخطها تشكل نوعا من الفضول, فرغبتي في ان احشر نفسي داخل مربع ما يعرض من مسلسلات عربية او اجنبية على وجه التحديد امر قائم لا استطيع نكرانه, فانا اعتقد ان من الخطا ان نتعامل مع هذه المسلسلات على اعتبار كونها مجرد وسيلة للتسلية تستخدم من جانب البعض لقتل الوقت طالما كانت القصص التي تروى من خلال الاحداث ممتعة لفئات من افراد المجتمع على اختلاف توجهاتهم وتباين اهتماماتهم, كما انني لا اعمل في ميدان السياسة التي تبرر حشر انفها الطويل في كل شيئ, وفي كل ميدان حتى انني اقترح على زملائي من الاساتذة في ميدان العلوم السياسية ان يقوموا باطلاق مسابقة صاحب اطول انف واعدهم انني سازودهم بمسطرة منضبطة القياسات لاستخدامها لاغراض المسابقة, ويا له من اقتراح يتمتع بدرجة عالية من الخيال. فكيف جائتني الفكرة ؟ وهل بلغ مستوى الخيال الذي وصل عقلي اليه حتى برر لي ان اقيس معايير التصرف في ميدان السياسة بمسطرة ربما لا يزيد طولها عن بضع سانتيمترات ؟ وبالعودة الى جوهر الفكرة التي اردت ان اعبر عنها من خلال هذه الخاطرة اقول اننا غالبا ما كنا نتابع اثناء فترة الثمانينات من القرن العشرين مسلسلات منضبطة الى حد كبيرمن جهة الافكار او القيم التي تعكسها الاحداث المروية من خلال الشخصيات التقليدية الفنية المعروفة, كما اننا كنا نستمتع ببرامج مميزة للغاية ذات طابع ثقافي مهم تعكس في توجهاتها العامة وبين ثنايا تفاصيل الاحداث التي تعرض من خلالها الترويج لقيم مهمة تساهم في بناء اخلاقيات المجتمع بطريقة ايجابية للغاية, فانا على استعداد كامل لان اتسمر امام شاشة التلفزيون مرة اخرى اذا ما قررت احدى الفضائيات عرض برنامج "افتح ياسمسم", رغم انه برنامج معد للاطفال, كما انني مستعد ايضا لان اعيد مشاهدة برنامج "المرايا" كذلك فانا ما زلت اتذكر الفنان "قاسم الملاك" وهو يصيح "غافل وفزع تطاككو" في مسلسل "جرف الملح" رغم صغر سني في تلك الفترة الزمنية والمفصلية من تاريخ العراق لما حملته من تغير في انماط الحياة وقناعات الناس ورؤيتهم لما ينبغي ان يكون عليه المستقبل في العراق. حقا وصدقا لقد كانت فترة السبعينيات من القرن العشرين واعدة بالنسبة لبلاد الرافدين, فهكذا يروج من عاش شبابه في ذلك العقد لها, لكن الريح جرت بما لا تشتهي السفن فتبخرت احلام الفنانة "سيتا هاكوبيان" وهي تغني "صغيرة جنت وانت صغيرون" كما تبخرت قصة "حسين نعمة" مع نخل السماوة عندما "طرته سمره" والشاعر العربي يقول:
"حوراء ان نظرت اليك   سقتك بالعينين خمرا"
    واذا كان الحال على ما كان فكيف اصبح الان حيث البث غير المنضبط لقيم وافكار وتوجهات يتعارض بعضها مع جوهر المفاهيم الاخلاقية والدينية والقانونية والشرعية التي يتبناها المجتمع العراقي والعربي والاسلامي والشرقي بل ومجتمعات البشر عموما كونها تعبر – قيم المجتمعات البشرية عموما - عن توجهات او قيم واعتبارات اخلاقية تحترم طبيعة تكوين الانسان, فالواضح للغاية ان مستوى التقدم التكنولوجي الذي بلغته الحضارة الغربية اصبح يلقي باعباء ثقيلة على الجوانب المعنوية والاعتبارات الاخلاقية التي من الضروري ان تبقى محترمة وموضع اجلال كبير بحيث تشكل جوهر التربية للانسان الذي يجب ان يضبط سلوكه داخل دائرتها, ولا يسمح لنفسه بالانجراف الى ما وراءها بتاثير الجري وراء القيم المنبثقة عن التقدم المادي نتيجة عمليات التصنيع وما تطرحه من سلع متطورة وشيوع النزعة الاستهلاكية بحيث اصبحت الممارسات او السلوكيات المنبثقة جراء تاثير هذه العوامل تزاحم المساحة التي كان يشغلها التفكير بالاعتبارات المعنوية في عقل الانسان. فهل اصبحت البرامج التلفزيونية والمسلسلات بقصصها التي تعكس احداث لا تساهم في بث قيم تساعد على اقناع الناس بتبني الاعتبارات الاخلاقية بعيدا عن النفعية الكبيرة هي السائدة فيما يبث ؟ الحقيقة ان في الاجابة عن السؤال المذكور بعدا يساهم في تكوين مستقبل المجتمعات العربية التي يبدو انها قد "ضيعت المشيتين" فلا هي مجتمعات مصنعة لما تستهلك حيث الفشل الذي يقابله النجاح في ماليزيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة, ولا هي ستكون قادرة على الاحتفاظ بمنظومة القيم الاخلاقية الرفيعة التي تساهم في استمرار بقائها, فالمجتمعات كلها قائمة على عقد اجتماعي هدفه الاساس تحقيق نوع من الامن لكافة الافراد ولكن باستخدام ادوات معنوية يعكس تاثيرها التماسك دون الاستعانة بوسائل مادية هي غير قادرة على تامينها, وهذا هو ديدن الحياة.
    ايتها السيدات ايها السادة دمتم ما اشرقت شمس على هذا الكوكب فلعبة الحياة ستستمر الى ماشاء الله بقوانينها التي ترفض الجمود رضينا او لم نرضى, ولكن ماذا عن ارادة الانسان وخياراته التي ان تدخلت استطاعت تغيير الكثير من الامور والتوجهات طالما تمكن انسان يملك القدرة على التضحية من اتخاذ القرار باتجاه التغيير.

عن الكاتب

احمد الساعدي

اذا أعجبك الموضوع فلماذا تبخل علينا بالردود المشجعة

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

قانون العرب