القائمة الرئيسية

الصفحات

الأزمة العراقية بين الفراغ الدستوري والتدخُّلات الدَّوْلية الدكتور سماح مهدي صالح العلياوي







الأزمة العراقية بين الفراغ الدستوري والتدخُّلات الدَّوْلية
الدكتور سماح مهدي صالح العلياوي



الأزمة العراقية بين الفراغ الدستوري والتدخُّلات الدَّوْلية
الدكتور سماح مهدي صالح العلياوي

بدأت الأزمة العراقية بعد تفشي الفساد والبطالة، وارتفاع نسبة الفقر، وانعدام الأمن، وغياب الاستثمارات الأجنبية، وتوقف أغلب المصانع الحكومية، وانهيار القطاع الزراعي، ومن ثمَّ أصبح المجتمع العراقي مؤهِّل بشكل كبير للانفجار جراء مجموعة من الخطوات غير المخطط لها من قِبَل الحكومة العراقية، لا سيّما بعد أن اتَّخذت الحكومة عدَّة إجراءات ساهمت في تأجيج الشارع، أهمُّها: قرار إقصاء قائد قوَّات جهاز مكافحة الإرهاب الفريق الركن "عبد الوهاب الساعدي"، حيث تمت إحالته إلى إمرة وزارة الدفاع وهو عمل مكتبي، ويعتبر الساعدي من القادة البارزون في المعارك ضدَّ تنظيم الدَّولة الإسلاميَّة في العراق والشام "داعش"، وبالتالي، فقد إثار قرار العزل غضباً كبيراً في الشارع العراقي، واعتبر القرار مجحفاً، ورأى رئيس الوزراء السابق "حيدر العبادي" أنه ما هكذا تكافئ الدَّولة مقاتليها الذين دافعوا عن الوطن، هذا بالإضافة إلى قرار الحكومة العراقية بإزالة المناطق السكنية العشوائية من دون توفير البديل المناسب، إذ يمر المجتمع العراقي بأزمة سكن تكاد تأخذ الحيز الأكبر من اهتمامات هذه المجتمع، ناهيك عن المظاهرات المستمرة للكفاءات العراقية من حملة الشهادات العُليا الماجستير والدكتوراه، حيث استمرَّت ثلاثة أشهر أمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي من دون إيجاد الحلول المناسبة لهذه الشريحة الّتي تعتبر من أهم ركائز بناء الدَّولة، وهذه الإجراءات والمشاكل الّتي لم تجد لها الحلول من الجهات المختصة أدَّت إلى مظاهرات شعبية عارمة بدأت في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2019.
وقد بدأت أغلب الجهات الوطنيَّة والدَّينيَّة تطالب بإعادة هيكلة النظام السِّياسيّ في العراق، وإنهاء أزمة المحاصصة الطائفية والمذهبية والعرقية، وفي مساع عاجلة لاحتواء أزمة الاحتجاجات حاولت الحكومة اتَّخاذ حزمة من الإصلاحات في خطوة لتهدئة الشارع، إذ وعد رئيس الوزراء العراقي "عادل عبد المهدي" بحزمة إصلاحات اقتصادية واجتماعية بهدف تحسين أوضاع الدَّولة، أهمُّها: اعتماد جدول لتخفيض رواتب كبار المسؤولين إلى النصف، وكذلك تعديلات في سلم الرواتب لإنصاف الشرائح الدنيا، وتحقيق قدر أكبر من العدالة الإجتماعية ولتطبيق نظام التعويضات الإجتماعية الّتي من شأنها إلا تترك عراقياً تحت مستوى خط الفقر، وتطبيق الضمان الإجتماعي وحقوق العمل والتقاعد ليتساوى العاملون في القطاع الخاص مع القطاع العام.
لكن كثرة الوعود من معالجة الأوضاع من دون نتائج فعلية أفقد الشارع العراقي الثقة، حيث بدأت أزمة جديدة بين الشارع المنتفض وبين الحكومة ، لا سيّما بعد أن استخدمت الحكومة القوَّة في محاولة لقمع التظاهرات، وهو ما أدَّى إلى انتقادات واسعة لأداء الحكومة من القِوى الوطنيَّة والمرجعية الدَّينيَّة الّتي طالبت بإجراء اصلاحات تتلاءم مع تطلعات الشَّعب، ومنع التدخُّلات الإقليميَّة والدَّوْلية في الشؤون العراقية، والكشف عن الجهات الّتي ساهمت في قتل المتظاهرين، ومن ثمَّ توسُّعت المطالبات الجماهيرية إلى استقالة الحكومة، وحلَّ البرلمان، وتعديل قانون الانتخابات، وإجراء الانتخابات المبكرة، وبالتالي، لم يتمكن السيد "عادل عبد المهدي" من تحقيق وعود الإصلاح، وتحت الضغط الشعبي، ومقتل العديد من المتظاهرين، والخوف من انزلاق الدَّولة نحو الحرب الأهلية قدم استقالته في 1 كانون الأول/ديسمبر 2019، لكن الاستقالة جاءت متأخر، وأدخلت العراق في موجة جديدة من الاحتمالات والتدخُّلات الإقليميَّة والدَّوْلية.
وحسب المادة (81) من الدستور العراقي لعام 2005، يمارس رئيس الجمهورية مهام رئيس مجلس الوزراء عند خلو المنصب، لأيّ سبب كان لحين تكليف رئيس الجمهورية مرشح آخر لتشكيل الحكومة خلال (15) يوما من مدة التكليف، وتنص المادة (76) من الدستور العراقي، على الآتي:
أولاً: يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء، خلال (15) يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية.
ثانياً: يتولى رئيس مجلس الوزراء المكلف تسمية أعضاء وزارته، خلال مدة أقصاها (30) يوماً من تاريخ التكليف.
ثالثاً: يكلف رئيس الجمهورية مرشحاً جديداً لرئاسة مجلس الوزراء خلال (15) يوماً، عندما يخفق رئيس مجلس الوزراء المكلف في تشكيل الوزارة، خلال المدة المنصوص عليها في البند "ثانياً" من هذه المادة.
رابعاً: يعرض رئيس مجلس الوزراء المكلف أسماء أعضاء وزارته والمنهاج الوزاري على مجلس النواب، ويعد حائزاً ثقتها عند الموافقة على الوزراء منفردين والمنهاج الوزاري، بالأغلبية المطلقة.
خامساً: يتولى رئيس الجمهورية تكليف مرشح آخر بتشكيل الوزارة خلال (15) يوما، في حالة عدم نيل الوزارة الثقة.
وقد ارتفع سقف المطالبات الجماهيرية، إذ وضعت مجموعة من الشروط لرئيس الوزراء للحكومة الانتقالية وتشكيلته الوزارية، أهمُّها: الولاء للوطن، والنزاهة والشفافية والاستقلالية عن الأحزاب والكتُّل السِّياسيَّة، وعدم تسنمه أيّ منصب تنفيذي أو تشريعي بعد عام 2003، فضلاً عن شرط الجنسية العراقية فقط، وهذه الشروط انقسمت حولها الكتُّل والأحزاب السِّياسيَّة، لهذا سعى رئيس الجمهورية "برهم أحمد صالح" إلى إيجاد شخصية وطنيَّة تكون مقبولة من الشارع العراقي، وفي المقابل تكون مناسبة لدى الأحزاب السِّياسيَّة، وقادرة على معالجة الأزمة، لكن الخلافات الحزبية وعدم التوافق على شخصية مناسبة وضع رئيس الجمهورية أمام المحاذير في انتهاك التوقيتات الدستورية، ونتيجة للضغط قدم رئيس الجمهورية "برهم أحمد صالح" استقالته إلى رئيس مجلس النواب، إذ أشار في الاستقالة قائلاً: "إن مسؤوليتي الوطنيَّة في هذا الظرف تفرض عليّ الاستقالة"، وأضاف: "أقدم استقالتي تفادياً للإخلال بمبدأ دستوري"، وأضاف أن "منصب رئيس الجمهورية يجب أن يستجيب لإرادة الشَّعب"، لذا "أضع استعدادي للاستقالة أمام البرلمان العراقي"، وأكَّد أن "مسؤولية الرئيس حفظ السِّلم الأهلي وحقن الدماء"، وأشار "إنه قد وصلته عدَّة مخاطبات حول الكتلة الأكبر تناقض بعضها بعضاً"، وقال إن "الحراك السِّياسيّ والبرلماني يجب أن يعبِّر عن إرادة الشَّعب".
وفي حالة خلو منصب رئيس الجمهورية لأيّ سبب كان يتولى مجلس النواب انتخاب رئيس جديد لإكمال المدة المتبقية لولاية رئيس الجمهورية، لكن استقالة رئيس الجمهورية فتحت الأبواب إلى احتمالات عديدة، أهمُّها: إن منصب رئيس الجمهورية يحسب للكوِّن الكُردي الّذي يتكون من الحزب الوطني الكوردستاني، والحزب الديمقراطي الكوردستاني، ومن ثمَّ دخلت مؤسَّسة الرئاسة في موجة من الانقسامات الكردية الكردية الّتي يصعب التكهن بنتائجها، وعليه، فإن الازمة العراقية ازدادت تعقيداً، إذ في الوقت الّذي تسعى الكتُّل السِّياسيَّة لإيجاد البديل في رئاسة مجلس الوزراء تأتي خطوة رئيس الجمهورية لتضع الوضع السِّياسي أمام خيارات صعبة المراس، وأمام مستجدات متسارعة تأخذ طابعاً دولياً.
إنَّ الفراغ الدستوري والسِّياسيّ قد يضع العراق أمام احتمالات التدخُّل الدَّوْلي عِبرَ قرار تحت الفصل السابع يوصف الأزمة العراق بأنها تهديد للسِّلم والأمن الدَّوْلي، لا سيّما أن العراق لا يزال يخضع للفصل السادس، وقد خرج من الفصل السابع في وقت مبكر، وقد عرضت ممثلة منظَّمة الأمم المتَّحدة في العراق "جينين هينيس بلاسخارت" (Jenin Hennes Blackshart) الوضع العراقي أمام مجلس الأمن الدَّوْلي في 3 كانون الأول/ديسمبر 2019، وأكَّدت إن المظاهرات يقودها شبّان بعيدون عن أيّ مصالح حزبية أو تدخُّلات أجنبية، ويرغبون بإسماع أصواتهم والإدلاء بآرائهم بشأن حالة الإحباط الّتي يعيشون بها في ظلّ تدهور الأوضاع الإقتصادية، وغياب أفق سياسي واجتماعي، وقد وصفت "جينين هينيس بلاسخارت" المظاهرات بالسلمية بشكل عام، شارك فيها مئات الآلاف من العراقيين يدفعهم حبهم لوطنهم وهويتهم العراقية، وأضافت لكنّ هؤلاء المتظاهرين يدفعون أثمانا يصعب تخيلها، فمنذُ بداية تشرين الأول/أكتوبر 2019، قُتل أكثر من (400) شخص وأصيب (000,19) آخرون بجراح، ولعلَّ تصريحات ممثلة منظَّمة الأمم المتَّحدة.
وتعتبر الأزمة العراقية من الأزمات المركبة الّتي يعصب التوظيف الوطني فيها، إذ في الشمال يحاول الأكراد إقامة كيان حقيقي والنهوض بقيام دولة مستقلة والتحرر من فكرة التبعية إلى بغداد، وفي الوسط والجنوب هناك المطالبات الشعبية الراغبة بإعادة هيكلة الوضع السِّياسيّ من دون التوافقات الحزبية والتجمعات المصلحية، وفي المناطق الغربية ما زالت تعاني من أزمة القضاء على "داعش"، والّتي أفرزت نتائج كارثية ساهمت في أبادة وتهجير مدن وقرى عديدة، وفي ضوء التدخُّلات الإقليميَّة والدَّوْلية الراغبة إلى تحقيق مصالحها الذاتية، وخاصة الحفاظ على الموارد النفطية، ناهيك عن المصالح الجيوسياسية الّتي تتمحور حول حماية مراكز القِوى الإقليميَّة في ضوء الصِّراع بين روسيا والصين وإيران، من جهة، والولايات المتَّحدة، من جهة أخرى، حيث تسعى روسيا والصين لمواجهة النفوذ الأميركي في الشَّرق الأوسط، وإنهاء النظام الدَّوْلي الأحادي القطبية، وإقامة النظام العالمي المُتعدِّد الأقطاب، وفي المقابل، تحاول الولايات المتَّحدة استثمار كافة الأزمات الإقليميَّة لكبح جماح القِوى الصاعدة على المستوى الإقليمي والدَّوْلي، وهنا أصبح العراق في وضع يصعب معه النهوض الوطني المنفرد بعيداً عن الإرادات الخارجية.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات الصفحة