القائمة الرئيسية

الصفحات

الحظر الدَّوْلي لتنفيذ العقوبات الإقتصادية في الإستراتيجية الأميركية د . سماح مهدي صالح العلياوي




الحظر الدَّوْلي لتنفيذ العقوبات الإقتصادية في الإستراتيجية الأميركية
د . سماح مهدي صالح العلياوي




الحظر الدَّوْلي لتنفيذ العقوبات الإقتصادية في الإستراتيجية الأميركية
د . سماح مهدي صالح العلياوي
إنَّ الدَّولة أو الجماعة الدَّوْلية ممثلة بالمنظمة الدَّوْلية قد تلجأ إلى فرض الحظر الدَّوْلي ضدَّ الدَّولة الّتي انتهكت أحكام النظام القانوني الدَّوْلي، بقصد معاقبة هذه الدَّولة المخالفة وردعها، أيّ أن تدابير الحظر هنا قد فرضت بقصد قصاص الدَّولة المخالفة؛ بمعنى فرض "الجزاء"، وهو إجراء أو تدبير يتمُّ اتخاذه لغرض تعزيز ودعم استقرار النظام العام، والهدف الأساسي من الجزاء هو لجعل السُّلوك المنحرف متطابقاً مع الأهداف والمعايير الإجتماعية، وكذلك لوضع حدِّ لهذا السُّلوك، وبناءً عليه، فإن الجزاء في معناه الواسع ينطوي على هدف الحدِّ من هذا النمط من السُّلوك المنحرف، وإنهائه وعدم تكرار حدوثه في المستقبل.
ويعرف العالِم الألماني "ماكس فون أوبنهايم" (Max von Oppenheim) الحظر الدَّوْلي بأنه نوع من أنواع القصاص وأن لفظة الـ"حظر" (Embargo) يجب ذكرها عند الإشارة إلى جزاء الحظر الدَّوْلي، وهذا المُصطلح هو إسباني الأصل، ويعني الـ"احتجاز" (Detention)، لكن في مجال القانون الدَّوْلي فإن هذا المُصطلح يعني من الناحية الفنية احتجاز أو حجز السفن في الميناء أيّ منع السفن التابعة للدَّولة المفروض عليها الحظر الدَّوْلي مغادرة ميناء الدَّولة المتضررة من مخالفة الدَّولة الّتي انتهكت أحكام القانون الدَّوْلي، وذلك بهدف إجبار الدَّولة المنتهكة لأحكام القانون الدَّوْلي على إزالة آثار المخالفة الّتي ارتكبتها، ودفع تعويض عادل "للدَّولة المتضررة" (Affected State).
ويُمكن اعتبار الحظر الدَّوْلي بأنه أحدى وسائل الارغام الذاتية المتبعة في تسوية المنازعات الدَّوْلية، ويتمُّ اللّجوء إليها في حالة عجز الوسائل السِّلمية عن تسوية المنازعات الدَّوْلية، فالدُّوَل المتنازعة لا تلجأ في بداية الأمر إلى استخدام القوَّة العسكرية لإنهاء النزاع، بل تعمد بعد فشل الوسائل السِّلمية المعروفة في تسوية المنازعات الدَّوْلية من تفاوض، ووساطة، وتحكيم، وتوفيق إلى اتِّخاذ إجراءات وتدابير قسرية أخرى غير عسكرية ضدَّ الطرف الآخر، وذلك للضغط عليه وحثه على وضع حدِّ للنزاع الدائر بينهما وتسويته سلمياً، دون الحاجة إلى استخدام القوَّة العسكرية المباشرة، والدخول في نزاع عسكري.

إن عملية تنظيم الجزاءات، الّتي تهدف إلى دعم وتقوية النظام القانوني الدَّوْلي، تواجه صعوبات خاصة ليست مثل تلك الّتي تواجهها الدَّولة في تنظيمها للعقوبات في قانونها الداخلي، وتتَّجسد هذه الصعوبة في فرض وتطبيق هذه المعايير تُجَاه المجاميع المنظمة في المجتمع الدَّوْلي مثل الدُّوَل، كما توجه هذه المعايير المذكورة طلبات استثنائية إضافية على السُّلطات الحكومية، وقد تؤثِّر في الوقت نفسه في ولاء مواطني تلك الحكومات، كما إن السُّلطات المتشكلة حتى في إطار الدَّولة الواحدة تواجه صعوبات في تطبيق قراراتها تُجَاه المجموعات المنظمة، مثل: الاتِّحادات التجارية، والوحدات السِّياسيَّة الأساسيَّة، كذلك في حال فرض العقوبات الدَّوْلية على إقليم معين ضمن الدَّولة، ولعلَّ خير مثال على ذلك الصعوبات الّتي تواجه هيئات الحكومة الاتِّحادية في الولايات المتَّحدة في تطبيق وتنفيذ قراراتها ضدَّ الولايات التابعة لها.
إنَّ الحظر الدَّوْلي طبقاً للتكييف القانوني هو بمثابة جزاء دولي، وهذا الجزاء يقع ضمن طائفة التدابير القسرية الّتي تلجأ إليها الدُّوَل أو المنظمات الدَّوْلية في ردع وقسر الدَّولة الّتي انتهكت أحكام القانون الدَّوْلي، وخير مثال على هذه التدابير الواردة في ميثاق منظَّمة الأمم المتَّحدة في نص المواد (39) و(41) و(42)، حيث أن التدابير الواردة في نص المواد المذكورة هي تدابير جزائية، ومن الأمثلة على هذه التدابير الجزائية الّتي فرض من خلالها حظر اقتصادي القرار المرقَّم (232) الصادر عن مجلس الأمن الدَّوْلي بموجب المادة (41) من ميثاق منظَّمة الأمم المتَّحدة، حيث الزم الدُّوَل بالإمتناع من استيراد تسعة من المنتجات الروديسية عام 1967، وكذلك القرار المرقَّم (748) عام 1992، الصادر عن مجلس الأمن الدَّوْلي ضدَّ ليبيا أثر حادثة تفجير الطائرة الأميركية الّتي وقعت فوق قرية لوكربي الاسكتلندية عام 1988، والقرار المرقَّم (661) أيضاً الصادر عن مجلس الأمن الدَّوْلي عام 1990، الّذي فرض بموجبه حظر دولي شامل ضدَّ العراق أثر اجتياحه للكويت عام 1990.
إنَّ الغرض الأساسي من الجزاء هو الردع، لكنّ الجزاء الإقتصادي بالذات يحمل في طياته أضراراً كبيرة لا تؤثِّر فقط في الدَّولة الّتي صدر ضدها فحسب، بل في سائر الدُّوَل المرتبطة معها بصلات إقتصادية، فمن أجل ردع الدَّولة المخالفة عن طريق فرض جزاءات إقتصادية مثل الحظر الدَّوْلي فلا مناص من إيقاع الضرر على اقتصاديات دُوَل أخرى، لذلك نلاحظ أن ميثاق منظَّمة الأمم المتَّحدة قد تتوقع بأن تدابير الحظر الإقتصادي قد تصيب دولاً أخرى بالضرر من جراء أيفاء تلك الدُّوَل بالتزامات تُجَاه تلك التدابير المفروضة على الدَّولة المخالفة، وعليه، فقد منحت المادة (50) من الميثاق الدُّوَل المتضررة من تطبيق تدابير الحظر أن تتذاكر مع مجلس الأمن الدَّوْلي في سبيل حلِّ مشاكلها من جراء إيفائها بالتزاماتها تُجَاه المنظمة، وأنه كلما أستمرَّ فرض الحظر أصبحت قابلية الدَّولة على الاستمرار بتطبيقها أضعف.
        ويتَّضح أن هناك نقطة جوهرية يجب أن تراعى عند فرض الجزاءات الدَّوْلية الإقتصادية ومنها الحظر الدَّوْلي، وهي وجوب تناسب تدابير الحظر المفروضة على الدَّولة المخالفة مع الفعل المخالف لأحكام القانون الدَّوْلي، إذ عند فرض الحظر الإقتصادي يجب أن لا يتعمد به إلحاق الضرر بصورة لا تناسب القصد من فرض هذا الحظر، وبذلك فإنه يجب عند فرض الحظر الإقتصادي على الدَّولة الهدف مراعاة التناسب بينه وبين الفعل المخالف للقانون الدَّوْلي الّذي ارتكبته تلك الدَّولة، لما لهذا الحظر من آثار بالغة الخطورة على شعب الدَّولة المخالفة، وعلى الدُّوَل الملتزمة بتنفيذ هذا الحظر، وبالتالي، فإن الحظر يطبق من خلال:
أولاً: التدخُّل الإقتصادي المباشر
ويكون عن طريق اتِّخاذ الإجراءات والتدابير الإقتصادية المباشرة سواء كان من جانب الدُّوَل أو المنظمات الدَّوْلية، وبالنسبة إلى المنظمات الدَّوْلية، مثل منظَّمة الأمم المتَّحدة، فقد نصت المادة (41) من ميثاقها على أنه: "لمجلس الأمن أن يقرَّر ما يجب اتخاذه من التدابير الّتي لا تتطلب استخدام القوَّات المسلّحة لتنفيذ قراراته، وله أن يطلب إلى أعضاء الأمم المتَّحدة تطبيق هذه التدابير، ويجوز أن يكون من بينها وقف الصلات الإقتصادية، والمواصلات الحديدية، والبحرية، والجوية، والبريدية، والبرقية، واللَّاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفاً جزئياً أو كلياً"، ووقف الصلات الإقتصادية ما هو في الحقيقة إلاَّ ما يعرف بالحظر الدَّوْلي الإقتصادي في القانون الدَّوْلي العام، وأن من أبرز صور التدخُّل الإقتصادي هو الحظر الإقتصادي الّذي تفرضه دولة ما ضدَّ دولة أخرى، أيّ الدَّولة المستهدفة، بقصد إذعانها لما تهدف إليه الدَّولة الّتي فرضت هذا الحظر.
ثانياً: التدخُّل الإقتصادي غير المباشر
ويكون هذا النوع من التدخُّل عن طريق تقديم القروض المشروطة، وبعبارة أوضح يكون هذا النوع من التدخُّل عن طريق تقديم القروض الّتي تتضمن شروطاً معينه من شأنها التأثير على الدَّولة المتدخل في شؤونها، وقد اختصت الدُّوَل الاستعمارية في انتهاج هذا الأسلوب، وذلك لغرض بسط نفوذها على الدُّوَل الّتي تريد استعمارها، وقد عرف هذا النمط من التدخُّل في القارة الأميركية باسم "سياسة الدولار" (Dollar policy)، كما يُمكن أن يتمثِّل هذا النوع من التدخُّل عن طريق تقديم مساعدات إقتصادية للثوار داخل دولة ما، وتكون هذه المساعدات على شكل معدات حربية أو مساعدات نقدية.
إنَّ الولايات المتَّحدة تستخدم العديد من الوسائل الإقتصادية، وهي أداة فعالة في تحقيق أهداف السِّياسة الخارجية، والّتي تأخذ أحدى الصيغ الآتية، وهي: التأثير في توجُّهات السِّياسة الداخلية والخارجية للدُّوَل الأخرى بتقديم إغراءات اقتصادية لها، وكذلك تقديم المساعدات والضغط على الدُّوَل المستفيدة من هذه المساعدات، أيّ تقديم المساعدات المشروطة، وتمثل المساعدات أحدى أهم الأدوات الّتي تستعين بها السِّياسة الخارجية الأميركية لنشر النفوذ على المستوى العالمي، والتقليل من أهميَّة السِّيادة الوطنيَّة على المستوى الداخلي، ولا سيّما الّتي تقدُّم للمؤسَّسات العسكرية، وهذا ما عبَّر عنه وزير الخارجية الأميركي الأسبق "دين راسك" (Dean Rusk) عام 1965، قائلاً: "إنَّ المساعدات هي طريق ذات اتَّجاهين، فهي تفتح للدَّولة المستلمة لها أبواب منتجات المتبرع واستثماراته، وقبولها هو تنازل جزئي عن السِّيادة, فهي منفعة يُمكن تطويرها بمرور الزمن لتصبح نفوذاً رئيسياً"، وعلى سبيل المثال فإنَّ المساعدات الأميركية أدَّت إلى موافقة مصر على توقيع اتِّفاق السَّلام مع إسرائيل عام 1979.
كما تستخدم الولايات المتَّحدة ميثاق منظَّمة الأمم المتَّحدة لفرض نوعين من العقوبات الإقتصادية، وهما: الأول، "المقاطعة الإقتصادية" (Economic boycott)، أيّ قطع العلاقات الإقتصادية والتجارية مع الدَّولة المعادية، أو بعض مؤسَّساتها، أو أفراد من مواطنيها، وتُعدُّ هذه المقاطعة أحدى آليات تنفيذ السِّياسة الخارجية للولايات المتَّحدة. والثاني، "الحظر" (the ban)، ويراد به فرض حظر كليٍّ أو جزئي على صادرات الدَّولة المراد معاقبتها، أو وارداتها، أو الاثنين معاً. وتُعدُّ العقوبات الإقتصادية أداة فعالة في مواصلة الحرب بوسائل أخرى غير عنيفة، إذ عبَّر عنها الرئيس الأميركي الأسبق "وودرو ويلسون" (Woodrow Wilson)، قائلاً: "كلا ليس الحرب, بل شيء آخر أكثر هولاً من الحرب، طبقوا هذا العلاج الإقتصادي السِّلمي الصامت القاتل، ولن تعود هناك حاجة إلى القوَّة، المقاطعة هي البديل عن الحرب".
وبعد تفكُّك الاتِّحاد السُّوفياتي عام 1991، توسُّعت الإجراءات الأميركية في فرض العقوبات الإقتصادية, مستفيدة من كونها القوَّة العُظمى الوحيدة في العالم, وقد وظفت في سبيل ذلك المؤسَّسات المالية العالمية، مثل: البنك الدَّوْلي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدَّوْلي، بما يخدم التطلُّعات الأميركية على المستوى العالمي، وقد أكَّد وزير الدفاع الأميركي الأسبق "جيمس شليزنجر" (James Schlesinger)، قائلاً: "أنه في فترة كلينتون الرئاسية الأولى وحدها فرضت الولايات المتَّحدة على نحو منفرد عقوبات اقتصادية جديدة، أو هدَّدت باتخاذ إجراءات تشريعية بذلك (60) مرة في (35) دولة تمثل معاً زهاء (42) بالمئة من سكان العالم".

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات