قانون العرب قانون العرب
.
random

آخر المواضيع

random
جاري التحميل ...

أثر غياب المتهم في مراحل الدعوى الجزائية تقديم العميد الدكتور الحقوقي عمار ماهر عبد الحسن الخفاجي معهد العلمين للدراسات العليا



 
أثر غياب المتهم في مراحل الدعوى الجزائية
تقديم : العميد الدكتور الحقوقي عمار ماهر عبد الحسن الخفاجي
معهد العلمين للدراسات العليا



أثر غياب المتهم في مراحل الدعوى الجزائية
تقديم : العميد الدكتور الحقوقي عمار ماهر عبد الحسن الخفاجي

بسام الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الكريم وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.
وإني إذ اقدم للكتاب الموسم (أثر غياب المتهم في مراحل الدعوى الجزائية), لكاتبه العميد الحقوقي محمد سامي مظلوم, فأنني أجد نفسي مجبولاً, على أن أقدم لشخص الكاتب قبل كتابه, لما عرفته منه من علو الهمة, ودوام المثابرة, وحبه لعمله الصعب, الذي اكسبه هذه الخبرة في البحث القانوني, علاوة على درجته العلمية المتقدمة, وقبل ذلك فهو إنسان ذو خُلق دمث, وروح معطاءة, محباً لمن يحيطونه, ويبادلونه الشعور نفسه, وقد لا أستطيع القول فيه أكثر لشبهة الجرح بشهادتي, لقربي منه وقربه مني, لما بيننا من علاقة, لا أجد كلمة معبرة عنها أكثر صدقاً من عبارة الصداقة, بكل وصفها النبيل.
اما عن الكتاب وموضوعه, فهو في غاية الاهمية, إذ تعرض فيه الباحث الى مسألة المتهم الغائب, أو الهارب مثل يطلق عليه, ومع أن الغياب يختلف عن الهروب, فالغياب فعل يُجهل مصير فاعله, فقد يكون لعذر مشروع, أم غير مشروع, لكن مصطلح الهروب يطلق على من يفترض قيامه بهذا الفعل على الرغم من مجهولية سبب غيابه, لكن تجد المشرع يطلق مصطلح المتهم الهارب, على من غاب عن الدعوى الجزائية في أي مرحلة من مراحلها.
        وبعد تصفحي لثنايا الكتاب فوجدت موضوعه من المواضيع الاجرائية في القانون الجنائي, لان تنظيمه يقع ضمن النصوص التي يتناولها قانون الإجراءات الجنائية أو الجزائية كما يطلق عليها, وهو أمر قد نظمه المشرع من أجل مراعاة عدم افلات الجاني من العقاب بهروبه, ومع إن تنظيم المحاكمات الجزائية اجرائياً جاء من اجل تنظيم جميع متعلقات المحاكمة, إلا أنه أفرد جزءً مهماً منه لموضوع المحاكمة الغيابية, وهي التي تجرى دون حضور المتهم, كذلك إن الاجراءات الجزائية تمثل ضمانة لجميع اطراف الدعوى الجزائية, فهي توفر الموازنة بين الحقوق المتضاربة, فالدولة تتمثل بصاحب الحق الاول والاعلى في القانون الجنائي, وتريد أن تقتص من الجاني حماية للمصالح العليا, الاجتماعية والسياسية والاقتصادية, كذلك تريد أن تضمن حق المجني عليه أو ذويه, من خلال شعورهم بالاقتصاص من الجاني وضمان حقوقهم المادية أيضاً, وفي المقابل تضمن الاجراءات حق المتهم في محاكمة عادلة لا يظلم فيها, ويستطيع أن يقدم دفوعه بالوسائل القانونية كافة.
        لذلك فإذا تحركت الدعوى الجزائية بأي طرقة كانت, يكون الطرف المهم فيها هو المتهم, وهو ما يُعتقد أنه الجاني, فتتجه الإجراءات الى محاولة القبض عليه وتوقيفه لكي تبدأ اجراءات الدعوى الجزائية, هذا إذا تم القبض عليه, وتجرى باقي خطوات الدعوى بحضوره وعلمه, أما إذا لم يكن موجوداً فإن ذلك لا يمنع من الاستمرار من استكمال اجراءات المحاكمة, لكي لا تتوفر الذريعة للجناة من الإفلات من العقاب وذلك عن طرق الهرب.
لذلك فإن المحاكمة الغيابية تبدأ من مرحلة التحقيق, فعند عجز السلطات عن تأمين احضار المتهم, يبدأ قاضي التحقيق بإجراءات المحاكمة الغيابية, فيوجه اخطاراً للمتهم يكلفه بالحضور مصحوباً بأمر قبض موجه للكافة بتنفيذه على المتهم إن وجد أو الإخبار عن وجوده.
        وهذه هي أول مراحل المحاكمة الغيابة, أي أن أثر غياب المتهم يبدأ في مرحلة التحقيق إذا لم يكن حاضراً فيها, فتتجه الاجراءات الى تبليغ المتهم بأنه مطلوب للقضاء بدعوى جزائية, وتتخذ اجراءات التبليغ الغيابي التي قد تكون موحدة في بعض جوانبها في النظام القانوني بشكل عام, لكن الامر هنا يختلف بالحاق الجاني علماً بمطلوبيته, إنما هو مكلف بالحضور قضائياً وذلك عن طريق ورقة التكليف بالحضور التي تعلق في محال تواجد المتهم المحتملة, كأن يكون محل سكناه أو عمله, بعد ذلك تتجه الإجراءات الى نشر التكليف بالحضور في الصحف الواسعة الانتشار, وذلك لكي يتحقق الافتراض بوصول العلم الى المتهم, لكي يفترض هروبه من وجه العدالة لمحاولة الإفلات من العقاب, وفي هذه المرحلة من الدعوى الجزائية يمكن للمحكمة من إصدار أمراً بحجز أموال المتهم الهارب, وذلك في الجنايات فقط دون المخالفات والجنح, وهي محاولة للتضيق على المتهم من اجل إجباره على تسليم نفسه للسلطات, وفي الحقيقة أن القانون على الرغم من منحه سلطة حجز اموال المتهم الهارب إلى قاضي التحقيق, إلا إنه قرنها بمصادقة محكمة الجنايات, فبعد إصدار أمر حجز الاموال يرسل قرار قاضي التحقيق الى الجهات المعنية بتنفيذه لغرض التنفيذ, وفي الوقت نفسه يرسل إلى محكمة الجنايات للمصادقة عليه, وللأخيرة المصادقة على هذا القرار من عدمه, فإذا صودق القرار يعد مصادقة على تنفيذه, وخلافه يلغى القرار والتنفيذ, إن حجز أموال المتهم الهارب تعد وسيلة فعالة من اجل اجبار المتهم على الحضور من جهة, ومن جهة أخرى تمنعه من التصرف بأمواله والانتفاع بها, فالتصرف بها والانتفاع بها يعد أمراً مغذياً لاستمرار هروبه من وجه العدالة, كذلك أن حريته بالتصرف بأمواله يمنحه فرصة لبيع هذه الأموال ومحاولة الهروب خارج الدولة, فالأموال تمكن صاحبها من معظم الأمور التي تساعده على الهرب, وتعطيه فسحة مادية ومعنوية, لذلك يعد هذا الإجراء وسيلة فعالة في الحفاظ على هيبة الدولة وقدرتها على فرض سلطتها على الجناة والمتهمين, وبعد هذه الإجراءات يتحقق الافتراض القانوني بوصول العلم الى المتهم الهارب بأن دعواه في طريقها إلى المحاكمة الغيابية, وأنه مطلوب للعدالة. كل هذا يعد من اثار غياب المتهم, أي في مرحلة التحقيق.
        فإذا اكتملت إجراءات التحقيق, تنتقل اثار غياب المتهم على الدعوى الجزائية إلى مرحلة المحاكمة, فتكون اجراءات التبليغ غيابياً قد تمت في مرحلة التحقيق, فتبدأ جلسات المحاكمة الغيابية دون حضور المتهم, ويجرى فيها كافة الاجراءات الاخرى, مثل تدوين اقوال المشتكي والمجنى عليه والمدعين بالحق الشخصي والشهود, وغيرها من الإجراءات الأخرى مثل ما متبع في المحاكمة الوجاهية, لكن هناك أمر يقتضي التعرض له, وهو أن هروب المتهم قد يكون بعد مرحلة التحقيق, فقد يحال المتهم إلى المحاكمة وجاهياً مكفلاً, فيتخلف عن الحضور, هنا تقوم محكمة الموضوع بإعادة الدعوى إلى محكمة التحقيق لغرض إحالة المتهم  غيابياً, إي أنه ليس من واجب محكمة الموضوع إجراء التبليغات الغيابية, بعد ذلك تصدر محكمة الموضوع حكمها في الدعوى بحسب ما  تجده من أدلة أو وقائع, فإذا أصدرت حكماً بالإفراج أو البراءة, ينفذ الحكم حال صدوره, وينقضي بعدها قرار حجز الأموال إذا كان صادراً, أما إذا صدر القرار بالإدانة فينفذ منه ما كان ممكناً, ويبقى هذا القرار قابلاً للاعتراض خلال مدة معينة تختلف بحسب جسامة الجريمة, أي تختلف في المخالفات والجنح عن الجنايات حيث تكون في الجنايات أطول نسبياً من الجنح والمخالفات, كذلك تختلف هذه المدد من تشريع إلى آخر, كذلك لا يفوتنا القول بأن محكمة الموضوع إذا أصدرت حكماً بالإدانة تصدر أمراً بحجز اموال المتهم في احكام الجنايات, إن لم تكن محجوزة مسبقاً.
        بعد صدور الحكم وخلال مدة الاعتراض, إذا حضر المتهم أو أُلقي القبض عليه, وقدم اعتراضه على الحكم الغيابي, فتقرر المحكمة توقيف المتهم أو إطلاق سراحه بكفالة, بحسب مقتضيات القانون والسلطة التقديرية للمحكمة, بعدها تعاد محاكمة المتهم مجدداً حضورياً ويلغى الحكم الغيابي, وتعاد جميع إجراءات المحاكمة ضماناً لحق المتهم بالدفاع عن نفسه, لكن إذا حضر المتهم وفر مرة اخرى بعد ذلك من السجن, أو لم يحضر المحاكمة يعد الحكم بمنزلة الحكم الوجاهي, ويبقى خاضعاً لطرق الطعن الأخرى, أما إذا لم يحضر المتهم طيلة مدة الاعتراض فإن الحكم يصبح بمنزلة الحكم الوجاهي, ويبقى خاضعاً لطرق الطعن الأخرى, فإذا أنقضت مدد الطعن, أو صودق تمييزياً, فيكون الحكم الغيابي باتاً, عدا الاحكام الجسيمة مثل الإعدام, فلا يصبح الحكم فيها باتاً مهما طالت مدة غياب المتهم, ومن الجدير بالذكر أن قرار الحكام المجدد بعد حضور المتهم الهارب يجب ألا يتضمن حكماً اشد من الحكم الغيابي, لذلك نجد أن المحاكم تُصدر احكامها بالحد الاقصى للعقوبة في الأحكام الغيابية مراعاةً منها للقيد الوارد على الحكم المجدد, فيكون لها فسحة بإصدار الحكم المجدد بحسب ما تراه مناسباً, كذلك نجد أن الاعتراض على الحكم الغيابي لا يجوز إلا بحضور المتهم, وقد تجرى طعون على الحكم الغيابي من قبل المشتكي, أو المجنى عليه, أو المدعي بالحق الشخصي, أو المدعي العام, ومع ذلك يبقى الحكم الغيابي قابلاً للاعتراض حتى مع المصادقة التمييزية على قرار الحكم, فهذه المصادقة التمييزية هي مصادقة على الإجراءات فقط دون أن يكتسب الحكم درجة البتات.
ما تقدم كان ملخصاً موجزاً عن الكتاب يبقى بحاجة الى المزيد ولا يغني عن قراءة الكتاب, كذلك حرصنا أن يكون التقديم عمومياً دون تحديد نص قانوني أو تشريع محدد, وذلك كون الكتاب كان دراسة مقارنة, وقد تضمن معلومات قيمة ومفيدة من الناحيتين العملية والفلسفية.

عن الكاتب

احمد الساعدي

اذا أعجبك الموضوع فلماذا تبخل علينا بالردود المشجعة

التعليقات



جميع الحقوق محفوظة

قانون العرب