القائمة الرئيسية

الصفحات

التدخُّلات العسكرية والمخابراتية الأميركية للإطاحة بالأنظمة المناهضة خلال الحرب الباردة المدرس الدكتور سماح مهدي صالح العلياوي



التدخُّلات العسكرية والمخابراتية الأميركية للإطاحة بالأنظمة المناهضة خلال الحرب الباردة
المدرس الدكتور
سماح مهدي صالح العلياوي



التدخُّلات العسكرية والمخابراتية الأميركية للإطاحة بالأنظمة المناهضة خلال الحرب الباردة
المدرس الدكتور سماح مهدي صالح العلياوي

لقد سعت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية إلى تشكيل حلف شمال الأطلسي عام 1949، وجاء في ديباجته بأن الدُّوَل الأطراف تجــدد عهدها وثقتها بالمبادئ  والأهداف الّتي تضمنها ميثاق منظَّمة الأمم المتَّحــدة، وتصمم على الحفاظ على حرية شعوبها، وعلى تراثها حضارتها المشتركة، والقائمة على مبادئ الحق والديمقراطية، والحريات الفردية، وإذ تحرص على توفير الهناء والاستقرار في منطقة شمالي الأطلسي، وإذ تعزم على توحيد جهودها من أجل دفاعها الجَمَاعي، ومن أجل الحفاظ على السِّلم والأمن، وبموجب معاهدة الحلف المادة (5) فإن أيّ هجوم مسلح يحصل في أوروبا أو في أميركا الشمالية، أو ضدَّ إقليم تركيا يُعدُّ هجوماً موجهاً ضدها جميعاً، وبالرغم من هذه الديباجة الّتي تعزي سبب إنشاء الحلف إلى الرغبة في السَّلام العالمي، لكن السبب الحقيقي هو تطويق الاتِّحاد السُّوفياتي، وبعد تفكُّك الاتِّحاد السُّوفياتي عام 1991، تحوّل الحلف إلى أداة عسكرية لفرض قواعد الهيمنة الأميركية على العالم تحت شعار تطبيق الديمقراطية وحقوق الإنسان، واقصاء الأنظمة الّتي تعارض شروط التبعية للولايات المتَّحدة.
كما سعت الولايات المتَّحدة إلى طرح مشروع مارشال في القارة الأوروبية، حيث قدمه رئيس أركان الجيش الأميركي "جورج مارشال" (George Marshall) عام 1947، وتضمن إعادة إعمار أوروبا الغربية، لكن مصادر تمويل هذا المشروع جاءت من الذين يرونه وسيلة للرد على التهديد السُّوفياتي في أوروبا، وبذلك تحولت المسائل من مساعدات اقتصادية إلى مساعدات سياسيَّة، وقد سعت الولايات المتَّحدة إلى استخدام المشروع ضدَّ أوروبا الشَّرقية والاتِّحاد السُّوفياتي.
واستمرَّت الولايات المتَّحدة في تغيير أنظمة الحكم المُناهضة للسِّياسة الأميركية، حيث خاطب الرئيس الأميركي الأسبق  "هاري ترومان" (Harry Truman) الكونغرس في آذار/مارس 1947، باسم "مشروع النقطة الرابعة"، بعنوان: "النصر للشَّعوب الحرّة، الّتي تقاوم القهر على يدّ الأقليات المسلّحة، أو الضغط الخارجي"، وأخذ محل بريطانيا، بعد عجزها عن تقديم المساعدات إلى الشَّرق الأوسط، والحفاظ على سياسة التوازن لحماية خط الدفاع الإستراتيجي، وهي الصِّياغة العلنية الأولى لسِّياسة عرفت باسم "كبح الشيوعية"، وخصَّص الكونغرس مبلغاً قدره (400) مليون دولار، لدعم تركيا واليونان ضدَّ التمدُّد الشيوعي، وقد وقعت معاهدة دفاعية أميركية إيرانية في حزيران/يونيو 1947، وقد دعمت الولايات المتَّحدة تشكيل دولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وتمَّ تشكيل "قيادة منطقة الخليج العربي"، وتعديل القوَّات الأميركية، لتصبح تُسمَّى "قيادة قوَّات الشَّرق الأوسط" عام 1949.
كما قامت الولايات المتَّحدة بالتحرك على المستوى العالمي، إذ بدعم قوَّات كوريا الجنوبية ضدَّ قوَّات كوريا الشمالية عام 1950، المدعومة من الاتِّحاد السُّوفياتي، وقد طرح الرئيس الأميركي الأسبق "دوايت أيزنهاور" (Dwight Eisenhower) في كانون الثاني/يناير 1953، فكرة أنَّ منطقة الشَّرق الأوسط يعاني من فراغ استراتيجي بعد تَقَهْقُر القوَّة الأوروبية، وأرسل وزير خارجيته "جون فوستر دالاس" (John Foster Dallas) إلى المنطقة في أيار/مايو 1953، بهدف البحث عن حلول لأربع مشكلات، وهي: حماية الأمن الإقليمي في الشَّرق الأوسط، كذلك مساعدة المستعمرات الأوروبية، بهدف المحافظة على استقلالها الوليد، وتطوير اقتصاديات الدُّوَل الإقليميَّة، والتوصُّل إلى تسوية بين العرب وإسرائيل، وبعد أنسعى رئيس الوزراء الإيراني "محمد مصدق" إلى تأميم النفط الإيراني كانت عملية "أجاكس" (Ajax)، من رئيس مكتب وكالة الاستخبارات الأميركية "كيرميت روزفلت" (Kermit Roosevelt)، بهدف إسقاط حكومة "محمد مصدق" واستعادة الشاه في آب/أغسطس 1953.
وقامت الولايات المتَّحدة بدعم الانقلاب ضدَّ الرئيس المنتخب "جاكوبو أربينز" (Jacobo Arbins) في غواتيمالا عام 1954، وجاءت حكومة دكتاتورية يمينية دموية دامت ثلاثين عاماً في غواتيمالا، كما قامت الولايات المتَّحدة بتشجيع الحاكم الفيتنامي الجنوبي  "نغو دينه ديم" (Ngo Dinh Deem) على تجاهل الاتِّفــاقيـة الّتي انهــت الحرب الفرنسية في الهند الصينية، ودعت إلى عقد انتخابات لتوحيد فيتنام شمالاً وجنوباً، وكانت الولايات المتَّحدة وراء إبرام بريطانيا، العراق، تركيا، إيران، وباكستان حلف بغداد في شباط/فبراير 1955، وفضلت واشنطن الاكتفاء بالمشاركة في اللّجنة العسكرية والاقتصادية، ولجنة مكافحة التخريب والنشاطات الهدَّامة، وهي خطوة لإضعاف النفوذ البريطاني، وجزءا من سياسة التطويق للاتِّحاد السُّوفياتي، لذا طرح الرئيس الأميركي الأسبق "دوايت أيزنهاور" مشروعاً للشَّرق الأوسط في كانون الثاني/يناير 1957، تضمَّن برامج للدَّعم والتعاون التنموي والعسكري، وتأمين الدُّوَل الّتي تطلب الدّعم في مواجهة الشيوعية، وتمَّ إِعْطاء ملك الأردن مبلغ قدره (10) ملايين دولار في نيسان/أبريل 1957.
ودفعت الولايات المتَّحدة النظام التركي إلى الاعتداء على سورية في آب/أغسطس 1957، ثم تمَّ الإعلان عن الاتِّحاد العربي الهاشمي في 1 شباط/فبراير 1958، بين العراق والأردن، وكان اتِّحاداً غير اندماجي، وجزءاً من الصِّراع العربي العربي، إذ دَعَمَ الأنظمة الملكية، ومزَّق وحدة الصف العربي المتحرِّر، كما إنَّه رَّد على الوحدة المصرية السورية، باسم "الجمهورية العربيَّة المتَّحدة"، الّتي أُعلنت رسمياً في 22 شباط/فبراير 1958، وحاربتها الولايات المتَّحدة عبرَ المُحَاصَرَة من القوَّة العربيَّة خارجياً، وتشجيع القِوى الانفصالية العسكرية والمدنية داخلياً. كما قامت وكالة المخابرات المركزية بتدريب منشقين ومرتزقة من إندونيسيا في الفلبين عام 1958، وسربتهم إلى إندونيسيا حيث أسسوا حكومة متمردة مالبـثـت أن اخفقت، فعزَّز رئيس الوزراء الإندونيسي "أحمد سوكارنو" (Ahmed Sukarno) مواقعه وفرض نفسه رئيساً مدى الحياة، وأمَمَ الممتلكات الأميركية، وأخرج إندونيسيا من منظَّمة الأمم المتَّحدة، كما ساهمت الولايات المتَّحدة في انقلاب "حزب البعث العربي الإشتراكي" في العراق بقيادة "عبد السَّلام عارف" في شباط/فبراير 1963، الّذي ردَّد متحدثاً عن البعثيين عبارة: "إنَّهم جاؤوا على رأس قطار تقوده أميركا"، حيث تمَّ القضاء على نظام "عبد الكريم قاسم".
وقامت الولايات المتَّحدة بدعم الرئيس الإندونيسي "سوهارتو" (Soeharto) عام 1965، الّذي عمد إلى تدمير كل معارض محتمل مع المحافظة على نظام عسكري صارم، وتولت الولايات المتَّحدة تدريب العسكريين الإندونيسيين، ولم تسعى الولايات المتَّحدة إلى غرس مفاهيم معينة مثل سيادة القانون والديمقراطية، ودعمت العدوان الإسرائيلي على مصر وسورية في حزيران/يونيو 1967، وطرحت الولايات المتَّحدة "مبدأ نيكسون" في تموز/يوليو 1969، الّذي اعتمد على إيران والسعودية في مواجهة الاتِّحاد السُّوفياتي في الشَّرق الأوسط باسم "العمودين المتساندين"، كما أسهمت الولايات المتَّحدة في عملية الاطاحة بحكومة رئيس جمهورية تشيلي المنتخبة ديمقراطياً "سلفادور أليندي" (Salvador Allende) عام 1973، ونصبت دكتاتورية عسكرية بزعامة الجنرال "أوغستو بينوشيه" (Augusto Pinochet).
كما ساندت الولايات المتَّحدة القوَّات الإسرائيلية ضدَّ الجيش المصري والسوري عام 1973، وقد قامت الولايات المتَّحدة بصياغة توجُّهات إستراتيجية خارجية عام 1974، ربطت فيها بين الديمقراطية وحقوق الإنسان بثلاثة جوانب مهمَّة من نشاطها الخارجي، وهي: قانون المعونة الخارجي، وقانون المساعدات الخارجية، وقانون الإصلاح التجاري، وعند مجيء الرئيس الأميركي الأسبق "رونالد ريغان" (Ronald Reagan) إلى السُّلطة في كانون الثاني/يناير 1981، تطوُّرت إستراتيجية التدخُّل من منطق التفوُّق باسم "الإجماع الإستراتيجي" (Strategic consensus)، كذلك عقدت الولايات المتَّحدة اتِّفاقيات مع إسرائيل، وعملت على زيادة المواجهة مع الاتِّحاد السُّوفياتي، ودفعت العراق لإعلان الحرب على إيران في أيلول/سبتمبر 1980، ودعمت الولايات المتَّحدة الغارة الإسرائيليَّة على المفاعل النووي العراقي في آب/أغسطس 1981، وقدمت الولايات المتَّحدة الدّعم لإسرائيل باحتلال لبنان في عملية "السَّلام للجليل" في حزيران/يونيو 1982، بهدف رسم خريطة لبنان، والقضاء على المقاومة الفلسطينية، وتحجيم الدَّور السوري، وعملت الولايات المتَّحدة على تدمير أهداف مسترشدة في ليبيا بعملية "الدورادو" (El Dorado) في نيسان/أبريل 1986، وسعى وزير الخارجية الأميركي الأسبق "ألكسندر هيغ" (Alexander Haig) قائلاً: "من الضروري جداً، أن نبدأ بالإعداد لإجماع عربي يهودي، حول ما يهمنا استراتيجياً"، وأشار بأن الإرهاب الدَّوْلي سوف يحل محل حقوق الإنسان على اعتباره نقطة التركيز في السِّياسة الخارجية الأميركية، وكان الغرض الأساسي من هذا الإعلان هو اضفاء طابع شرعي لمحاربة منظمة التحرير الفلسطينية، كما عملت الولايات المتَّحدة على تأسيس تنظيم القاعدة في أفغانستان لمقاتلة قوَّات الاتِّحاد السُّوفياتي.

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات الصفحة