القائمة الرئيسية

الصفحات

الفكر السِّياسي الأميركي المعاصر بين النفعية والمرتكزات الدَّينيَّة والسِّياسيَّة والإقتصادية المدرس الدكتور سماح مهدي صالح العلياوي



الفكر السِّياسي الأميركي المعاصر
بين النفعية والمرتكزات الدَّينيَّة والسِّياسيَّة والإقتصادية
المدرس الدكتور
سماح مهدي صالح العلياوي

الفكر السِّياسي الأميركي المعاصر بين النفعية والمرتكزات الدَّينيَّة والسِّياسيَّة والإقتصادية
 المدرس الدكتور سماح مهدي صالح العلياوي

إنَّ النفعية تعاملت مع ثلاثة اتَّجاهات في الفكر السِّياسي الأميركي، وهي: الاتَّجاه الدِّيني، أثرت الأفكار والمعتقدات الدَّينيَّة الّتي جاء بها الآباء المؤسَّسون للولايات المتَّحدة تأثيراً مهماً في ارساء الأسس اللازمة لبناء نظام سياسي اجتماعي ديني يتوافق مع عقيدتهم المنحدرة من الديانة البروتستانتية الكالفينية, فقد حمل المهاجرون, أو ما اصطلح على تسميتهم  بـ"البيورتانيين" أو  "الطهرانيين"، وهذه العقيدة زرعت قِيَم وأفكار وقواعد سلوك مؤثرة ليس فقط في صياغة الشخصية الأميركية على الصعيد الإجتماعي, إنَّما أيضاً في صياغة العقل الأميركي ومنهج التفكير السِّياسيّ في السِّياسة الخارجية والعلاقات الدَّوْلية.
وكانت النظرية البروتستانتية الّتي أرسى المهاجرون الأوائل دعائمها في الولايات المتَّحدة, ترمي إلى تدعيم نظام المجتمع الهرمي الّذي يتعين على كل فرد فيه أن يقبل نصيبه في الحياة، وأنْ يقنع بما قسم له، وقد شدَّدت البروتستانتية على أخلاق العمل ومسؤولية الفرد عن نجاحه أو فشله الشخصي في الحياة، أمَّا الكالفينية الأميركية فقد تحوَّلت إلى أنه أذا كان الأيمان هو الّذي ينقذنا دائماً، وأنَّ تضحية المسيح المجردة للإنسان، وأنَّ أعمال البشر ضرورية للخلاص لأنها تشهد على الرغبة في عمل الخير, ومن ثمّ فأنها تصبح دين العمل بخلاف الكالفينية الإنجليزية، ومن ثمَّ تتوافق الكالفينية الأميركية مع الفردية فهي لا تعترف بوساطة بين الإنسان والله، ولا تعترف بالكهانة، فأخلاق العمل صفة رئيسة في الثَّقافة البروتستانتية الأميركية, فمنذ البداية كان دين الولايات المتَّحدة هو دين العمل.
وعلى سبيل المثال أعطى الرئيس الأميركي الأسبق "بنجامين فرانكلين" (Benjamin Franklin) اهتماماً للدين نظراً لفوائده الإجتماعية باعتباره من مُقوِّمات الأخلاق الطبيعية, وأهميَّة للكفاف والاجتهاد في العمل بوصفهما وسيلة من وسائل النجاح في الحياة، وأن الدين على اعتباره علم وأسلوب هو قوَّة رئيسه في السِّياسة والهوية والثَّقافة الأميركية فهو يشكل شخصية الأمة, ويساعد في صياغة الأفكار الأميركية عن العالم, ويؤثر في الطريقة الّتي يستجيب بها الأميركان للأحداث خارج حدود وطنهم، إذ يسوّغ الدين للشعب الأميركي الإحساس بأنفسهم على اعتبارهم شعب مختار واعتقادهم بأن لديهم واجباً لنشر قِيمَهم في عموم العالم, لا ريب أن كل الأميركان يعتقدون بمثل هذه الأفكار, فهناك من يختلف بمرارة حول ما الّذي تعنيه تلك الأفكار بدقة, لكن عدداً كافياً مؤمِّن بها، وبأن الأفكار تمارس تأثيراً عميقاً على السِّياسة الداخلية والخارجية، وتمثل قضية الدين واحدة من أهم القضايا في المجتمع الأميركي عِبرَ مختلف مراحل تطوُّره، وعلى الرغم من أنَّ الدستور الأميركي وتعديلاته تؤكِّد على العلمانية، والفصل بين الدين والدَّولة، لهذا فإن الدين كان ولا يزال يمثل عنصراً أساسياً من عناصر خصوصية المجتمع الأميركي، فالدين أحد أهم العناصر المؤثرة في تشكيل الثَّقافة الأميركية وقِيَمها ومؤسَّساتها واصلاحاتها والأساليب الّتي كانت تجول في أفكار الناس حول الحقيقة.
وقد عبَّر الرئيس الأميركي الأسبق "جورج واشنطن" (George Washington) عن أهميَّة الدين في خطاب رئاسته عام 1789، قائلاً: "إنه موكل بمهمَّة عهدها الله إلى الشَّعب الأميركي"، ومن بعده الرئيس الأميركي الأسبق "جون آدامز" (John Adams) عام 1728، قال: "إن استيطان أميركا الشمالية تحقيق لمشيئة إلهية"، وتساند هذه الرسالة رؤية فلسفية حددتها البراغماتية بأن الأيمان بالحياة من الجوانب الثَّقافية والإقتصادية والسِّياسيَّة هي صراع من أجل البقاء، وعليه، فإن النظرة الأميركية هي نظرة رسالية وفوقية تُجَاه العالم الّذي لم يزل حسب اعتقادهم يعيش في الظلمة, فالرسالة الأميركية هي مصلحتها القومية وتحقيق المصلحة القومية إنَّما يحقِّق الرسالة الأميركية في القيم، والدين، والقوَّة، والتِّجارة، فالمفاهيم الجوهرية للديموقراطية لكرامة الإنسان الفرد, ومن ثمَّ القيود الضرورية على الدَّولة وعلى دوائر النفوذ المنفصلة للحياة الإقتصادية والسِّياسيَّة والثَّقافية توجد جذورها في المسيحية.
وتناول أهميَّة الدين الرئيس الأميركي الأسبق "توماس جيفرسون" (Thomas Jefferson) في خطابه الأول عام 1801، إذ قال: "يلزمني دائماً أن أؤمن أساساً بأنَّ الرب شيءٌ عظيم، إذا أدَّى إلى حياة شريفة"، وقد استمرَّ الأميركيون يتحدثون عن أنفسهم على أنهم شعب مختار, وأنهم شعب يرتبط بميثاق الله, فكان المفهوم الميثاقي القائل إن نجاح الأمة الأميركية وازدهارها نتيجة لبركات الله، ومن ثمَّ الاعتماد على النظام الأخلاقي القوي معتقداً عملياً له تأثيره الكبير في كل حركة سياسيَّة رامية إلى الإصلاح الأخلاقي, كما أكَّد مستشار الأمن القومي "هنري كيسنجر" (Henry Kissinger) قائلاً: "إنَّ الغرض الأخلاقي كان دافعاً أساسياً خلف كل سياسة أميركية وكل حرب في القـــــــــرن العشرين".
وهذه الأفكار والمعتقدات تمَّ تبنيها منذ وقت مبكر على مستوى الرؤساء الأميركان, فالرئيس الأميركي الأسبق "جورج واشنطن" أوضح فكرة التدخُّل الإلهي والعناية الإلهية بالقول: "ما من شعب مدعوا أكثر من شعب الولايات المتَّحدة إلى شكر الله وعبادة اليد الخفية الّتي تقود أمور الناس, فكل خطوة جعلتهم يتقدمون على طريق الاستقلال الوطني تبدو موسومة بسِمَة التدخُّل الإلهي"، كما إن الولايات المتَّحدة في نظر الرئيس الأميركي الأسبق "جون آدمز" هي المكان المخصص لتحقيق سعادة الجنس البشري, والذي ربط التِّجارة بتعاليم الدين المسيحي حيث قال: "إنَّ التِّجارة بين الأمم هي التزام أخلاقي تفرضه المبادئ المسيحية"، ولم يخرج عن هذه القاعدة الرئيس الأميركي الأسبق "جورج دبليو بوش" (George W. Bush) عام 2001، الّتي وضعها أسلافه من رؤساء الولايات المتَّحدة عندما قال: "لا يُمكن للمرء أن يكون رئيساً لهذه البلاد من دون قناعة أننا الأمة الوحيدة الخاضعة لأوامر الله".
وفي أعقاب تفجير برجَي التِّجارة العالمية ومبنى البنتاغون في أيلول/سبتمبر 2001، وصف الرئيس الأميركي الأسبق "جورج دبليو بوش" الحرب الّتي تخوضها الولايات المتَّحدة ضدَّ الإرهاب بأنها حرب صليبية، واستخدمت إدارته كلمات الإرهاب والشر من أجل إحكام غلق ابواب احتمالات قيام نقاشات ذكية بشأن الإستراتيجية الأميركية، فالرئيس "جورج دبليو بوش" يميل إلى التفسير الدِّيني للأحداث السياسية فقد قال: "إنَّ الإرهابيين يمقتوننا لأننا نعبد الرب بالطريقة الّتي نراها مناسبة"، كما يكثر في أحاديثه وخطاباته أيراد المصطلحات الدَّينيَّة، فهو يكثر الحديث عن الرب وعن الصِّراع بين الخير والشر، وعلى الرغم من أن دستور الولايات المتَّحدة ينص على فصل الدين عن الدَّولة فإنَّ دور الدين لم يغب عن القرار السِّياسي الأميركي، فخلال خطاب الرئيس "جروج دبليو بوش" وصف كل من العراق وايران وكوريا الشمالية بأنهم دُوَل محور الشر، فكثير ما يصف الأميركان أنفسهم في معركة بين الخير والشر، وتنظر الإدارة الأميركية إلى الحرب على الإرهاب على أنها حرب بين قِوى الخير وقِوى الشر، ولعلَّ مفهوم الإرادة الإلهية كان له شأن كبير في صياغة البناء الفكري الثَّقافي الدِّيني للمجتمع الأميركي.
أمَّا الاتَّجاه الإقتصادي، فإن أبرز السِمَات الّتي حرص الآباء المؤسَّسون على وضعها في الدستور الأميركي هي "الحرية الشخصية" (personal freedom) تعبيراً عن واقع أميركي حقيقي, حيث بَيَّن هذا الواقع أن سكان الولايات المتَّحدة قد قدموا من بيئات مختلفة اتَّسمت بالقمع السِّياسيّ والدِّيني، وتبين من التعديلات الستة والعشرين في الدستور الأميركي أنها كانت تهدف إلى توسيع الحريات الفردية والسِّياسيَّة والدَّينيَّة، وأكَّد الرئيس الأميركي الأسبق "أبراهام لينكون" (Abraham Lincoln) قائلاً: "إن اعتمادنا على حبَّ الحرية الّذي غرسها الله في قلوبنا"، وهذا القول ينسجم مع رؤية الرئيس الأميركي الأسبق "جون كينيدي" (John Kennedy) قائلاً: "إنَّ الأميركيين قد كتب عليهم من دون أيَّ خيار أن يكونوا حراس أسوار الحرية في العالم"، وقد جمعت الإدارة الأميركية جل تفكيرها ووقتها ومواردها في حسم هذه المسألة لمصلحتها النفعية البراغماتية, فقد اتَّجهت كتابات المفكرين والرؤساء الأميركيين الأوائل إلى اعتبار التوسُّع العسكري والتحكم الإقتصادي ضرورة لضمان حق الأميركيين في تقرير مصيرهم واختيار طريقة حياتهم, وبينما قام بعضهم بادعاء التوسُّع العسكري الّذي يُعدُّ الضمانة الحقيقية للحفاظ على النظام الديموقراطي، وطريقة الحياة الأميركية أو عن بعضهم الآخر بأن التحكم الإقتصادي يُعدُّ الوسيلة لتقدُّم الحضارة الأميركية وتحقيق الرفاه الإقتصادي، كما إن التأييد الحماسي من جانب غالبية رجال المال والأعمال الأميركيين للزعماء يرجع إلى تأييد القادة الأميركيين إلى فكرة الحاجة إلى التوسُّع الأيديولوجي والإقتصادي ومزاياه، وأن سياسة الباب المفتوح كانت الترجمة الفعلية للسُّلوك السِّياسيّ الأميركي الليبرالي، والخاص بتشكيل "إمبراطورية التِّجارة الحرة" (Free trade empire).
وقبل وصول الرئيس الأميركي الأسبق "توماس وودرو ويلسون" (Thomas Woodrow Wilson) إلى السُّلطة أكَّد بأن الرخاء والديموقراطية الأميركية يتوقفان على تحقيق التوسُّع الإقتصادي، وأصّرَّ على اعتبار مثل هذا التوسُّع الوسيلة الوحيدة الّتي تكفل المحافظة على هذا الرخاء في المستقبل، وقد صرَّح  بأن الدُّوَل الأميركية يجب أن تتحكم في ثروات العالم الإقتصادية، وقد وضع الخطوط العريضة للدبلوماسيَّة الأميركية عام 1907، حيث أشار بأن على وزراء الخارجية تأمين الامتيازات الّتي حققها رجال المال حتى أذا ترتب على ذلك انتهاك سيادة الأمم الّتي ترفض تأمين هذه الامتيازات، ويجب أن تحصل أميركا على مستعمرات أو أن تخلق مستعمرات بحيث لا يبقى ركن صغير يجلب المنافع والفوائد في هذا العالم بدون استثمار واستغلال، أمَّا قضية السَّلام فأنها من اختصاص المؤتمرات والمحافل الدَّوْلية، وطبق هذه السِّياسة الرئيس الأميركي "توماس وودرو ويلسون" عندما دخل البيت الأبيض عام 1913، وقد افترضت العقيدة الأيديولوجية الأميركية بأن رفاهية الشَّعب الأميركي تعتمد على الوصول إلى الأسواق العالمية خارج الولايات المتَّحدة الّتي حاولت استغلال اقتصاديات ما وراء البحار، وأرادت صنع المجتمعات الأجنبية، وبفعل هذا الاتزان والسَّيطرة استطاعت الحضارة الأميركية تهديد المجتمعات الإشتراكية واسقاطها.
وجاء اجتماع الليبرالية مع البراغماتية من كونها ذات توجه مادي وضعي في الحياة السِّياسيَّة، وأصبحت البراغماتية أحد ديناميات الليبرالية، ومرحلة من مراحل تطبيق الفكر السِّياسي الأميركي, ابتداء من الزعامة الأميركية لما يعرف  بـ"العالم الحر" (Free world)، ولعلَّ الليبراليون يسعون لتوفيق الروح المدنية مع المصلحة الفردية, شأنهم في ذلك شأن البراغماتيين، وقد عبّرت البراغماتية تعبيراً جيداً عن مطامع مثالية العمل للطبقة الرأسمالية الأميركية وراء أقصى الأرباح ورغبتها الصارمة في اقصاء المنافسين, وفي فتح الأقاليم البكر وفي إحداث ثورة مستمرة في التقنية الإنتاجية، وفي اللحاق والتفوُّق على العالم القديم، وزعامتها العالمية بعد تفكُّك الاتِّحاد السُّوفياتي عام 1991، وقيام النظام الدَّوْلي الأحادي القطبية بقيادة الولايات المتَّحدة.
إنَّ النفعية أميركية النشـأة رأسمالية الاتَّجاه، وهي تمثل فلسفة المجتمع الرأسمالي, وقد وجدت البراغماتية في النظام الرأسمالي الأميركي خير تربة للنمو والازدهار، لأن الرأسمالية عامة تقوم على مبدأ "المنافسة الفردية الحرة" (Free individual competition) الّتي يرتبط بها العمل المنتج النافع, كما إن هذا النظام الرأسمالي يؤكِّد تُجَاه الأميركيين ليس إلى فهم الواقع لذاته أو بحث مدى اسبقية الفكر على الواقع، وإنَّما الاتَّجاه إلى فهم الواقع لاستغلاله والسَّيطرة عليه سعياً وراء المنافع الّتي تعود عليهم من ذلك، غير أن البراغماتية هي أكثر من أسلوب لتسويغ الغيبية.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

محتويات الصفحة