القائمة الرئيسية

الصفحات

أهمية الاستشارة وآداب طلبها.


من خلال اطلاعي على بعض الصفحات الإلكترونية لاسيما تلك التي تعنى بالاستشارات الحقوقية ، هالني ما قرأته من أجوبة متناقضة ، فمنها ماهو صحيح ، ومنها ماهو غامض ، حتى أن السائل نفسه يرتـجّ عليه فهمه ومعرفته بين ماهو صحيح وبين ما هو خطأ .

 و في حديث سابق ولأكثر من مرة تحدثت فيه عن ضرورة الاستشارة الحقوقية في حياتنا اليومية وقد عتب علي بعضّ السادة الزملاء حينها أني قصرت الكلام عن ضرورتها دون أن أوضح أصول طلب الاستشارة وآدابها ... وراح البعض يذكر لي بعض المفارقات التي جرت معه والتي لا تخلو من الطرافة.

أهمية الاستشارة القانونية

طلب استشارة المحامي من الشركات والافراد


حقيقة الأمر لم أكن أعني أن تصبح استشارة المحامي ( سبيلا ) يأخذ منه الصادي والغادي متى شاء وأراد دونما ضوابط أو نواظم .
طلب الاستشارة له أصوله نص عليه قانون تنظيم مهنة المحاماة ، كما أنه يخضع إلى آداب السلوك التي تحكم المجتمعات المتحضرة ، فالأفراد والشركات وسائر الشخصيات المعنوية لا تقوم بعمل يعنى بالالتزام القانوني أو له صلة بالقانون دون أن ترجع إلى محاميها الخاص تسأله الرأي.


وكما هو معروف أهمية المحامي كالطبيب... كما أن هناك الطب الدوائي ... هناك الطب الوقائي ، فإذا كانت مهمة الأول العلاج مهمة الثاني تجنب المرض وتفاديه ، ومايصح قوله في الطب يصح في القانون... إذ هناك الدعوى وهناك الاستشارة، فالدعوى علاج والاستشارة القانونية وقاية .


قيمة الاستشارة القانونية

بعض الزملاء المحامين عندنا ( ومع كل أسف) لم يعود الناس على ماهو في مصلحتهم ، فالكثير من الناس لا يقيم وزنا للاستشارة ولا يعيرها اهتماما ، وإذا ما قرر أن يستشير غالبا ما يصل إلى المحامي متأخرا ( يكون الذي ضرب ضرب والذي هرب هرب) وعندها يجد المحامي نفسه أمام دعوى قائمة وليس أمام استشارة تسبق النزاع ، حتى في حال قيام الدعوى لا يبادر صاحبها إلى زيارة مكتب المحامي إلا بعد أن يكون قد قطع شوطا في جلساتها اعتقادا منه أن في مقدوره معالجتها بنفسه .


طلب الاستشارة من المحامي

وإذا أراد المواطن طلب الاستشارة من المحامي ظن البعض منهم أنها ( دون أتعاب- مجانية لوجه الله تعالى ) بل كل اعتقاده ( الحكي ببلاش ماعليه مصاري) ونسي أن المحامي حينما أجاب على سؤاله كان قد كلفه ذلك نصف عمره من دراسة..وجامعة...ومحاضرات.. وتمرين ...إلى أخره.


المحامي كالطبيب ، والأخير في حقيقة الأمر ماهو إلا مستشار صحي ، وإن ما يتقاضاه لقاء الكشف والمعاينة ليس أكثر من بدل استشارة ، فلماذا المواطن يدفع للطبيب ثمن الاستشارة ويتردد في الدفع للمحامي ..!!


لا أنكر أن الكثير من هذا الوضع المتردي يتحمله بعض السادة الزملاء المحامين الذين نراهم يجيبون كل سائل سؤاله ولو أثناء مروره في الطريق أو أثناء ركوبه ( التكسي) أو في المقهى أو حتى هنا على وسائل التواصل الاجتماعي ( الفيسبوك ) وغيره.
البعض لا يتورع أن يحرج المحامي ويرسل له عبر برنامج (الماسنجر ) أو غيره من البرامج وينهال عليه بسيل من الاسئلة بعد يسبقها (بكليشات) المجاملة ، كما لايتورع البعض ان يطلب من المحامي الاستشارة أثناء سهرة عائلية ، بل ويخرج له من جيبه مستندات وأوراق تكفي أن تشغل المحامي طيلة السهرة .


بتقديري هذا التخلف الحضاري أدى ان يعتاد المواطن طلب الاستشارة في كل زمان ومكان دون أن يرعى للاستشارة حرمة أو أن يقيم لها وزنا .


الاستشارة القانونية خطيرة النتائج


 قد تكون سببا في الإقدام على أمر أو الإحجام عنه ، لهذا يتعين على المحامي ألا يعطي رأيه ارتجالا ، إنما عليه أن يدرس السؤال كما لوكان يدرس الدعوى ، ثم يرجع إلى الوثائق إن وجدت ، ثم إلى القانون يستفتيه قبل أن (يتبرع) هو بفتواه .


بعض الزملاء يتطوعون بالإجابة على نحو (مسلوق) ظنا من هذا البعض أن الإجابة السريعة تزيد السائل قناعة بكفائتهم وتوسع في شهرتهم .


بتقديري هذا خطأ ، لآن السائل سرعان ما يستفتي سواه ( مجانا أيضا ) ويكشف التناقض في الإجابات ، ولا ننسى أن هناك ممن ابتلاهم الله بداء الأسئلة القانونية يوجهونها إلى كل محام يلتقون به مصادفة أو من خلال مواقع التواصل الإجتماعي ( وهات على أسئلة ).


البعض من هؤلاء يرى في توجيه السؤال إلى المحامي في أوقات استجمامه وفترات راحته أو من خلال لقاء عابر نوعا من المجاملة والتسلية ولا يدري هذا البعض أن يفعله ( غلاظة ) منه وإرهاقا للمحامي .


في هذه الحالة على المحامي أن يتحاشى إعطاء الجواب مهما كان الجواب موجزا ومختصرا وأن يطلب من السائل زيارته في المكتب ليسمعه الجواب حتى ولو كان في حدود كلمة نعم أو لا


والسبب : أن الاستشارة لها مركزها القانوني وهي جزء من أعمال المحاماة فلا يجوز بأي حال من الأحوال إهانتها بهدرها في الطريق العام أو المقهى أو في سيارة التكسي أو غير ذلك ، ثم على السائل أن يدرك حقا أن الاستشارة مصدر ( رزق للمحامي ) فلا يجوز أن يبيحها لنفسه بلا مقابل أو أتعاب .


رب سائل يقول: وماذا بشأن هذه الاستشارات والفتاوى التي يوزعها البعض من المحامين يمنة ويسرى وإلى كل من يطلبها سواء عبر وسائل الإعلام أو من خلال مواقع التواصل الإجتماعي ..؟


أجيب ، هذه الاستشارات في حقيقتها ماهي إلا جزء من التوعية الحقوقية الإعلامية لاسيما أن مواقع التواصل أصبحت في الآونة الأخيرة منبرا إعلاميا وأن تلك الاستشارات في مضمونها الغاية منها خلق ثقافة حقوقية لدى المواطن أكثر من أن تكون حلولا جذرية لمشاكل فردية ، فالذي تعترضه مشكلة جادة لا ينتظر الجواب في برنامج إذاعي أو تلفزيوني أو يبحث عن حل لها من خلال بعض المواقع الإلكترونية أو صفحات التواصل الإجتماعي .


 بل يسارع إلى مكتب المحامي يسأله الرأي ، بل أن مهمة البرامج التلفزيونية والإذاعية وحتى صفحات التواصل الاجتماعي هي تحريض المواطن أن يعتاد الاستشارة في مكتب المحامي لا أن تكون بديلا عنها ، تماما كالبرامج الصحية التي تحرض الموطن ارتياد عيادة الطبيب لدى أول بادرة مرض.


من هذا يتضح أن الاستشارة القانونية أهم من الدعوى كما أن الطب الوقائي أهم من الطب الدوائي ، فالاستشارة وقاية ومهما كانت كلفة هذه الوقاية تبقى أقل بكثير من تكاليف الدعوى ، وقديما قالوا : درهم وقاية خير من قنطار علاج ، كلمة قلتها وارغب في الجواب عنها .

بقلم المحامي// منيب اليوسف.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

التنقل السريع